الترجماتالصفحة الرئيسية

ناشيونال إنترست | لماذا لا تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها؟

ترجمة – آية سيد

إن الإحساس بالارتياح بين النخب السياسة الأوروبية ردًّا على انتخاب جو بايدن شبه ملموس. وكذلك أيضًا رغبتهم في العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل ترامب فيما يتعلق بسياسة واشنطن تجاه الناتو.

يوجد بعض المعارضين, لا سيما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون, الذي دعا إلى “سيادة” الدفاع الأوروبي بغض النظر عمن يشغل المكتب البيضاوي, الآن أو في المستقبل، لكن توجد أيضًا معارضة شديدة لدعوته للأعضاء الآخرين في الاتحاد الأوروبي بالتعامل مع قضايا الأمن بجدية أكبر وتطوير قدرة دفاع أوروبية مستقلة وموثوقة. تبدو الدول العميلة لواشنطن في أوروبا الشرقية على أتم الاستعداد لإدامة النظام الحالي القائم على الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة من أجل أمنها. والأسوأ من ذلك, تبدو ألمانيا, العضو الرائد في الاتحاد الأوروبي, وكأنها راضية بفعل الشيء نفسه.

ذلك التوجه يخلق خطرًا حقيقيًّا وهو أن عادة أوروبا القديمة بالانتفاع المجاني من المجهودات الأمنية الأمريكية ستستمر بعد استراحة وجيزة (وجزئية) خلال سنوات ترامب. إن فريق السياسة الخارجية الذي يشكّله الرئيس المنتخب بايدن لديه سجل طويل ليس فقط في التساهل مع هذا السلوك؛ بل أيضًا في تشجيعه بحماس، غير أن هذا التطور سيكون ضارًا بالأمريكيين, ومن المفارقات, بالأوروبيين أيضًا.

كان رد برلين على موقف ماكرون مثيرًا للشفقة، في حين أنه لم يكن مفاجئًا, فيما أكدت أنجريت كرامب كارينباور, وزيرة الدفاع الألمانية أنه “من دون القدرات النووية والتقليدية لأمريكا, لا تستطيع ألمانيا وأوروبا الدفاع عن أنفسهم. تلك هي الحقيقة الواضحة”، وتكون تلك “حقيقة واضحة” فقط إذا قبل الشخص الافتراضات الأطلسية الشائعة المتعددة لكن المشكوك فيها أو السخيفة على نحو سافر.

أحد هذه الافتراضات هو أن الاتحاد الأوروبي, بمجموع سكان أكبر من سكان أمريكا، واقتصاد متطور بنفس الحجم تقريبًا, لا يستطيع بناء دفاع قاري قادر. وأحد الافتراضات الأخرى هو أن روسيا, على الرغم من كونها ظلًّا باهتًا للاتحاد السوفيتي البائد، وباقتصاد يُساوي بالكاد عُشر حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي, تشكّل تهديدًا خطيرًا، والذي لا يمكن ردعه. والافتراض الخاطئ الثالث هو أن روسيا عازمة على الإفراط في التوسع على الرغم من تخفيض نفقاتها العسكرية في 2017 و2018 ورفعها بالكاد في 2019. وبالإضافة إلى ذلك, حتى رقم 2019 (65.1 مليار دولار) أقل بكثير من نفقات الدفاع السنوي (حوالي 300 مليار دولار) للأعضاء الأوروبيين في الناتو. وأخيرًا, يتعين على الشخص قبول الافتراض الضمني بأن قوى الاتحاد الأوروبي لا يمكنها التعامل بمفردها مع التهديدات التي يفرضها الرعاع والإرهابيون عديمو الجنسية, ودول الشرق الأوسط الضعيفة.

الحقيقة هي أن مواصلة الاعتماد على الولايات المتحدة هي مجرد غطاء أمني مناسب لأوروبا. إن استعداد واشنطن للتساهل مع هذا الاعتماد يعفي دافعي الضرائب الأوروبيين من الاضطرار لقبول قدر أكبر من الأعباء المالية من أجل إنشاء دفاعات أكثر قوة. لكن بشكل أساسي, إنه يعفي النخب السياسية الأوروبية من الاضطرار إلى معالجة القضايا الأمنية المزعجة في منطقتهم وتحمل مسئولية إدارتها. وفي الوقت نفسه, الترتيبات الحالية تُغذي غرور النخب السياسية الأمريكية الذين يعتقدون, بتعبير مادلين أولبرايت الشهير عن النرجسية القومية, أن الولايات المتحدة هي “الدولة التي لا غنى عنها”.

وحتى توبيخ الرئيس ترامب المتكرر للأعضاء الأوروبيين في الناتو، من أجل الوفاء بالعهد الذي قطعوه منذ سنوات بأن يخصصوا 2% على الأقل من ناتجهم المحلي الإجمالي السنوي للدفاع كان له تأثير محدود. في الوقت الحالي, تفي 10 دول فقط من أصل 30 دولة في الناتو بهدف الإنفاق، وعلى الرغم من أن هذا أكثر من ضعف العدد الذي كان يفعل ذلك عندما تولى ترامب المنصب, غير أنه تغيير متواضع على أحسن تقدير. وعلاوة على هذا, وبالرغم من ضغط الإدارة على الحلفاء على مدار السنوات الأربع الماضية لينفقوا المزيد على جيوشهم, لم يخفض القادة الأمريكيون التزام واشنطن بالحلف – أو إصرارهم على الهيمنة الأمريكية على شئون الحلف – بقدر ملموس.

إن دعوة ماكرون إلى السيادة الأمنية الأوروبية هي جرعة منعشة من الواقعية التي ينبغي أن تلقى آذانًا صاغية على جانبي الأطلسي. إنها تدرك أن العلاقة الأمنية عبر الأطلسي تشهد توترات حادة والتي لن تختفي بنهاية رئاسة ترامب. وفي الحقيقة, الكثير من هذه التوترات جاءت نتيجة للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية الأساسية المتباينة بين القارتين. وعلى الرغم من أن المصالح الأمريكية والأوروبية تتداخل, إلا انها لم تعد قريبة حتى من التطابق. على سبيل المثال, ما يحدث في البلقان ربما يكون ذا أهمية كبيرة لأعضاء الاتحاد الأوروبي, لكنه لا يهم كثيرًا بالنسبة إلى أمريكا. وعلى العكس, ما يحدث في المكسيك أو أمريكا الوسطى مهم لواشنطن لكنه ليس له أهمية كبيرة للدول الأوروبية؛ وهنا تجد الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الكبرى أنفسهم على جانبين مختلفين عند التعامل مع القضايا العالمية الرئيسية, مثل العلاقات مع الصين.

إن محاولة إدارة بايدن والنخب الأوروبية ذات العقلية المتشابهة لاستعادة الوضع القائم السابق الذي تميز بالكلام المعسول المستمر عن التضامن عبر الأطلسي، لن يجعل تلك الاختلافات الأساسية تختفي. إنه سيغذي فقط وهمًا ضارًا. لقد حان الوقت لينضج الأوروبيون وليأخذ الاتحاد الأوروبي مكانه الصحيح في العالم كلاعب سياسي وعسكري, وليس فقط اقتصاديًّا حقيقيًّا.

لمشاهدة الموضوع الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى