الترجمات

مودرن دبلوماسي | طريق الحرير الجديد.. الاتحاد الأوروبي والصين يوقعان اتفاقًا تجاريًّا تاريخيًّا

رؤية

ترجمة – شهاب ممدوح

إن العام الذي بدأ للتو لا يبدو أنه سيكون أكثر سلميّة من العام الذي انقضى لتوه. فبينما يواصل العالم تأثره سلبيًّا من جائحة كوفيد19، تعاني الولايات المتحدة، التي يمكنها التفاخر بأنها “أقدم ديمقراطية” في العصر الحديث، ليس فقط من هجوم الفيروس، ولكنها تمر أيضًا بأزمة داخلية غير مسبوقة تشكك في دورها كقوة عظمى.

في السادس من يناير، تعرّض مبنى الكونجرس في واشنطن لهجوم من قبل حشد من “مؤيدي ترامب” الذين أثارتهم الكلمات التحريضية لرئيس لا يبدو أنه رضخ لهزيمته الانتخابية، حيث اقتحم هؤلاء بعنف مجلس النواب في محاولة لمنع الكونجرس من إحصاء أصوات المجمّع الانتخابي للمصادقة على فوز الرئيس المنتخب جو بايدن في انتخابات نوفمبر الماضي، وأعاد هذا الهجوم أمريكا إلى العصور المظلمة عند فوز إبراهام لينكولن الأول في عام 1860، حيث رفضت حينها 11 ولاية جنوبية الاعتراف بنتائج المجمّع الانتخابي، وبدأت محاولة لعرقلة الجمهورية؛ ما أسفر عن اندلاع حرب أهلية دموية.

إن سلوك دونالد ترامب المغامر المتهور، والذي يمكن أن يؤدي في الأيام المقبلة لعزله عن منصبه، لا يتسبب فقط في أزمة عميقة في التركيبة الداخلية للمجتمع الامريكي ومؤسساته، لكنه يخاطر أيضًا بشكل خطير بتقويض مصداقية أمريكا عالميًّا، ويؤدي لتقليص كبير في طموحاتها الجيوسياسية.

خلال فترة حكمه في السنوات الأربع الماضية، حاول ترامب “احتواء” الصين اقتصاديًّا وسياسيًّا، عبر فرض تعريفات ورسوم جمركية على بضائع صينية مستوردة إلى الولايات المتحدة، وعبر دعم “حركة الديمقراطية” في هونج كونج التي تتسبب في حالة اضطراب في تلك المستعمرة البريطانية السابقة منذ عامين. إن تحريض ترامب لمؤيديه لتحدّي عملية تسليم السلطة الرئاسية ومعارضتها، قدّم سلاحًا دعائيًّا على طبق من فضة لبلد مثل الصين، والتي بالرغم من كونها البلد الأول الذي أصابته الجائحة، إلا أنها خرجت منتصرة منها.

كان من السهل على المتحدثة باسم الخارجية الصينية “هوا تشونينغ” أن تتهم الأمريكيين بـ “ازدواجية المعايير” فيما يتعلق بتقييمهم السياسي والأخلاقي لسلوكهم وسلوك الآخرين، مُذكّرة بأنه عندما اقتحم محتجون وخرّبوا مبنى الكابيتول في هونج كونج عام 2019، أشاد وزير الخارجية مايك بومبيو ورئيسة مجلس النواب الديمقراطية بسلوك المحتجين العنيف.

وفي مؤتمر صحفي أُجري للتعقيب على الهجوم على مبنى الكابيتول، قالت “هوا تشونينغ”: أظن أن هذا الهجوم هو مشهد متكرر… أعتقد أن الولايات المتحدة لديها ردود فعل مختلفة لما يحدث في داخلها مقارنة بما حدث في هونج كونج عام 2019″.

وبالإضافة إلى المناوشات الدعائية، وفي العام الذي يتم فيه الاحتفال بمئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، تواصل الصين تسجيل نقاط لصالحها في المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة.

في الثلاثين من ديسمبر 2020، أُعلن خبر توقيع اتفاق استثماري تاريخي بين الصين والاتحاد الأوروبي، وبعد سبع سنوات من المفاوضات، وأثناء مؤتمر عبر تقنية الفيديو بين الرئيس الصيني “تشي جين بينغ” ورئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون ديرلاين” والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس المجلس الأوروبي “تشارلز مايكل”، اعتُمد “الاتفاق الشامل بشأن الاستثمارات”.

ولا شك أن هذا اتفاق تاريخي يفتح “طريق حرير” بين أوروبا والسوق الصينية الهائلة.

تهدف المبادئ الأساسية للاتفاق لإعادة ضبط التوازن في التبادل التجاري بين أوروبا والصين، حيث لم تُبدِ الأخيرة حتى الآن انفتاحًا كبيرًا تجاه الطرف الأول.  ومع توقيع هذا الاتفاق، ستفتح الصين أبوابها لأوروبا في العديد من القطاعات المهمة، مع إيلاء اهتمام خاص بالتصنيع والخدمات.

وفي هذين القطاعين بالتحديد، تلتزم الصين بإزالة القواعد التي تميّز حتى الآن بقوة ضد الشركات الأوروبية، عبر توفير أمن قانوني للذين يرغبون في الإنتاج في الصين، فضلًا عن تحقيق مواءمة بين الشركات الصينية والأوروبية على المستوى التنظيمي، وتشجيع إقامة مشاريع مشتركة وتوقيع اتفاقيات تجارة وإنتاج.

في المجال التصنيعي، سيجري تعزيز قطاع “السيارات”، مع الإشارة بوجه خاص إلى إنتاج السيارات الكهربائية، مع التركيز أيضًا على إنتاج المنتجات الكيميائية ومواد ومعدات الاتصالات، إلى جانب إنتاج جيل جديد من الأجهزة الصحية.

وفيما يتعلق بقطاع الخدمات، ستدعم الصين الاستثمارات الأوروبية في الخدمات السحابية والخدمات المالية والرعاية الصحية الخاصة والخدمات المتصلة بالنقل الجوي والبحري.

وفي جميع هذه القطاعات التي يغطيها “الاتفاق الشامل بشأن الاستثمارات”، لن يعاني المستثمرون والمنتجون الأوروبيون بعد الآن من أي تمييز مقارنة مع منافسيهم الصينيين، كما لن يُحرموا من الوصول إلى قطاعات مُنتجة محظورة على الأجانب حتى يومنا هذا.

كما يوفر الاتفاق أيضًا ضمانات بتسهيل معاملات الشركات الأوروبية الورقية الضرورية لإتمام جميع الإجراءات الإدارية والحصول على تصاريح قانونية، وبالتالي إزالة العوائق البيروقراطية التي لطالما صعّبت من عمليات الشركات الأوروبية في الصين.

وهذه هي المرة الأولى التي تنفتح فيها الصين بتلك الطريقة على شركات واستثمارات أجنبية. ورغبةً منها في جذب الأوروبيين، فان الصين مصممة على مواءمة أوضاعها فيما يتعلق بتكاليف العمل والحماية البيئية؛ ما يساهم بالتالي في توفيق معاييرها مع نظيرتها الأوروبية، وذلك فيما يتصل بالتلوث وحقوق النقابات العمالية.

وبهدف جعل هذا الالتزام ملموسًا وظاهرًا، تلتزم الصين باتفاق باريس للمناخ والاتفاقية الأوروبية لتنظيم العمل، وتعقيبًا منها على توقيع الاتفاق، شدّدت رئيس المفوضية الأوروبية “فون دير لاين” على أن “هذه خطوة أساسية في علاقتنا مع الصين، وسيمنح هذا الاتفاق المستثمرين الأوروبيين إمكانية وصول غير مسبوقة للسوق الصيني، وبالتالي المساهمة في نمو أعمالنا التجارية وخلق وظائف، كما يُلزم الاتفاق الصين بالالتزام بمبادئ الشفافية وعدم التمييز، ويعيد التوازن بشكل أساسي لعلاقتنا الاقتصادية”.

إن الاتفاق الصيني – الأوروبي هو قطعة أخرى في العلاقات التجارية والسياسية، التي تريد الصين أن تبني عليها دورًا جيوسياسيًّا لها، إذْ يتجه هذا البلد وفقًا لتقديرات النمو، للوصول للمركز الأول عالميًّا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بنهاية هذا العقد.

وفي الواقع، فان توقيع “الاتفاق الشامل بشأن الاستثمارات” يأتي بعد شهر فقط من اتفاق “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة”، وهو اتفاق ذو أهمية استراتيجية وقّعته الصين مع عشر دول من “رابطة أمم جنوب شرق آسيا”، فضلًا عن اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا.

ووُصفت “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” بأنها “أكبر تجمّع تجاري واستثماري في العالم”، وهي تخلق منطقة تعاون اقتصادي وتجارة حرة تضمّ 2.2 مليار نسمة، وتنتج 28 بالمائة من التجارة العالمية وما يزيد على 30 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وتمثل “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” نسبة 50 بالمائة من الناتج التصنيعي العالمي، ونسبة 50 بالمائة من إنتاج السيارات و70 بالمائة من الأجهزة الإلكترونية، كما تزيل هذه الاتفاقية 90 بالمائة من الرسوم الجمركية على التجارة في المنطقة التي تضمّ الدول الموقعة، ما يخلق منطقة تجارة حرة آسيوية هائلة، ويؤدي إلى تهميش الهند من جانب، ومن جانب آخر تزايد دور الصين في جميع أرجاء شرق آسيا.

إن اتفاقيات “الشراكة الشاملة بشأن الاستثمارات” مع أوروبا، بالإضافة إلى “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” مع شركاء آسيويين، تمثل دون شك نقطة تحول تاريخية في العلاقات بين الصين وبقية العالم، وقد تظل الولايات المتحدة مُستبعدة من هذه العلاقات، لانشغالها حاليًا بعملية انتقال لا تحدّ فقط من نشاطها الديمقراطي، ولكن تحدّ أيضًا من قدرتها ومصداقيتها الدولية.

وبعد أن انحصرت السياسة الخارجية الأمريكية في عصر ترامب في فرض رسوم جمركية على التجارة مع الصين، أدى التآكل التدريجي لمصداقية الإدارة الأمريكية لإحباط مساعي وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الهادفة لتشكيل تحالف دولي عريض مناهض للصين بقيادة الولايات المتحدة.

وبالتالي، تظهر “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” مدى هشاشة المحاولات الأمريكية للتصدّي للصين اقتصاديًّا وسياسيًّا، إذ تجاهَلَ بلدان كانا يوما ما شريكين استراتيجيين للولايات المتحدة، وهما كوريا الجنوبية وإستراليا، المناشدات الأمريكية؛ بل ووقّعا اتفاقًا تاريخيًّا واستراتيجيًّا مع الصين.

وتعزز “الشراكة الشاملة بشأن الاستثمارات” من تواصل وترابط أوروبا مع ما كان يُطلق عليها لقرون اسم “المملكة الوسطى”، والمقصود هنا الصين التي اختارت خفض حواجزها الأيديولوجية بغرض فتح مسارات جديدة للتقدم الاقتصادي، ويؤمل أن تقود في النهاية لتطور ديمقراطي، وقد كان هناك ممثلون فرنسيون وألمان حاضرين في توقيع “الشراكة الشاملة بشأن الاستثمارات”.

وبينما كانت أوروبا تفتتح “طريق الحرير الجديد”، غابت إيطاليا بشكل ملفت عن طاولة المفاوضات، رغم كونها البلد الذي وُلد فيه رجل الدولة “دي غاسبيري”، أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، وماركو بولو الذي قاد مهمة فتح “طريق الحرير” الأول.    

لمشاهدة الموضوع الأصلي اضغط هنا 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى