الترجمات

الجارديان | هل يخطط بومبيو لأن يكون النسخة الثانية من ترامب في انتخابات عام 2024؟

ترجمة – شهاب ممدوح

بينما تتجه كل الأنظار نحو دونالد ترامب وحشده الغوغائي الذي اقتحم مبنى الكونجرس، يمارس وريثه وخليفته المحتمل شغبًا وحده، مُتخذًا مواقف عدوانية ومرددًا شعارات وطنية ومهاجمًا الصين. نحن لا نقصد هنا دونالد ترامب الابن أو إيفانكا أو تيد كروز، وبالتأكيد لا نقصد مايك بنس المسكين والحائر.

ربما قد لا يبدو مايك بومبيو بالنسبة للكثيرين لائقًا ليكون رئيس دولة، لكن ترامب حطّ من مستوى منصب الرئيس. ينبغي أن نكون في منتهى الوضوح هنا، فوزير خارجية أمريكا البغيض والمتسلط، بات لا يركز فقط على تنصيب جو بايدن هذا الأسبوع، ولكنه يركز أيضًا على كيفية هزيمته أو أي مرشح ديمقراطي آخر في انتخابات 2024.

يمارس مايك بومبيو، ذاك الرجل الذي قد يصبح ملكًا، “ألعاب جوع” سياسية، وهو يسعى لتحقيق الفوز في المستقبل.

وفي استعراض منه لجرأة استثنائية، قضى بومبيو الفترة منذ خسارة ترامب الانتخابات لنصب أفخاخ وزرع ألغام دبلوماسية في مناطق صراع عالمية. يسعى بومبيو جزئيًّا لتأمين “إرث” ترامب وإرثه هو شخصيًّا. ويُعزى هذا في جزء منه إلى رغبته في إفشال بايدن. لكن السبب الرئيسي هو رغبته في الفوز بالبيت الأبيض.

دمّر بومبيو سياسات راسخة، وتبنى مواقف متشددة للغاية، وزعم تحقيق نجاحات مُتخيلة لتعزيز وضعه لدى ترامب، وفي الواقع، هو يحاول التفوق عليه، وتمامًا مثل الرئيس الخاسر، يتصف بومبيو بأنه عديم الضمير وعدواني، لكن إليكم الاختلاف بينهما: هو ليس غبيًّا.

ربما يجعل هذا من عضو الكونجرس السابق الممثل لحزب الشاي في ولاية كانساس، والذي شغل منصب رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أكثر خطرًا على رئاسة بايدن والقضية التقدّمية، من ترامب نفسه الموصوم بالعار، حيث أظهر بومبيو ذكاءه السياسي عبر النأي بنفسه عن معركة محاكمة ترامب في الكونجرس، وعوضًا عن هذا، ينشغل بومبيو بوضع أجنداته المستقبلية.

ومتحدثًا في واشنطن يوم الثلاثاء الماضي، على سبيل المثال، أعلن بومبيو – دون أدلة جديدة، ومستعينًا بمزاعم مكررة وغير مثبتة – أن “تنظيم القاعدة بات لديه مقرّ جديد: الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

لطالما سعى اليمين الأمريكي للربط بين القاعدة وإيران، وذلك منذ اتهام ديك تشيني زورًا لصدام حسين بأنه دبّر هجمات الحادث عشر من سبتمبر، لكن بومبيو لا يهتم كثيرًا بالحقائق. هو يفضّل طرح حجج ونشر تغريدات وإطلاق شعارات؛ لهذا، نراه يزعم أن “إيران والقاعدة شركاء في الإرهاب وشركاء في الكراهية.. وهذا المحور يمثّل تهديدًا خطيرًا على أمن الدول وأمن الوطن الأمريكي”.

ولا يوجد شك بشأن الهدف الذي يسعى إليه بومبيو من وراء استخدام شعار “محور الشر” الذي جرى تعديله لخدمة أغراضه؛ إذ صرّح بومبيو: “إنَّ تجاهلنا للعلاقة بين إيران والقاعدة سيمثّل خطرًا علينا”، وتابع” “يجب علينا مواجهة هذا الخطر. في الواقع، يجب علينا هزيمته”. هذا الخطاب يحمل رسالة إلى بايدن: عندما تتعامل مع إيران، فعليك أن تستخدم الحرب لا السلام، وإلا ستُتهم بالتهاون مع الإرهابيين.

إن المواقف العدوانية تلقى صدى إيجابيًّا وسط معسكر اليمين، لا سيما وسط المسيحيين الصهاينة والإنجيليين “المولودين مجددًا”، الذي يفخر بومبيو بشدة أنه واحد منهم. يسعى مثل هؤلاء الناخبين للحصول على قائد جمهوري أقل أذى. إن تصنيفه الجديد للحوثيين المدعومين من إيران كمنظمة إرهابية، هو بمثابة دعم جديد لموقفه، بالرغم من اعترافه بأن القرار سيسبب معاناة للمدنيين.

كما أعاد بومبيو بشكل تعسفي إدراج كوبا على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب في الأسبوع الماضي، واتهمت كوبا بومبيو، وهو اتهام معقول لحد كبير، بممارسة “الانتهازية السياسية” لعرقلة تحسين العلاقات مع بايدن. غير أنه كان لافتًا أن موقف بومبيو كان أقل حدّة تجاه فنزويلا، حليفة كوبا، والتي خطّط هو وجون بولتون بشنّ عملية “خليج الخنازير رقم2” ضدها بهدف تغيير نظامها.

يعشق بومبيو استفزاز الصين، أو “إمبراطورية الشر” الجديدة، بصرف النظر عن أن إهانات “فيروس ووهان” والعقوبات والتهديد والوعيد كانت لها نتائج عكسية واضحة، كما استفز بكين بلا مبرر مجددًا الأسبوع الماضي عبر تعزيز العلاقات مع تايوان. لقد أطاح بومبيو بتوازن دبلوماسي دقيق مستمر في شرق آسيا منذ عقود.

إن النشاط الدبلوماسي المحموم في اللحظات الأخيرة، لن يكبّل أيدي بايدن تمامًا، لكنه، مقترنًا مع أخطاء الماضي السياسية، سيصعّب من صناعة سياسات منطقية. في الواقع، يمكن وصف ترِكة ترامب – بومبيو في أفضل الأحوال بأنها كانت سلبية: الفشل في نزع سلاح كوريا الشمالية النووي، وتدمير الاتفاق النووي مع إيران، والانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، وتنفير الحلفاء، وتقويض الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، يتعيّن على بايدن التصرف بصورة إيجابية.

لقد لاقت جهود بومبيو الكبيرة الأخيرة الرامية لتحقيق إنجاز تاريخي-عبر إقناع السعودية للانضمام لدول الخليج لعقد “اتفاقيات سلام” مشكوك فيها مع إسرائيل – فشلًا ذريعًا. ستغادر إدارة ترامب منصبها وقد تركت وراءها شرق أوسط غارقًا في فوضى أكبر من تلك التي كان غارقًا فيها عندما وصلت الإدارة للسلطة، سواء كان ذلك في فلسطين أو سوريا أو لبنان أو العراق أو ليبيا أو الصحراء الغربية.

ومن دون خجل، يسعى بومبيو حثيثًا لتصوير سجله الحافل بالإخفاقات باعتباره قصة نجاح. كتب المحلل “جيفري لويس”: “لو كانت جهود بومبيو (لتلميع إرثه السياسي) تبدو مضحكة… ولو كانت عبارة عن مجموعة متضخمة من المديح الذليل لترامب، والشعارات الفارغة، وأنصاف الحقائق، فإنها تعدّ أيضًا انعكاسًا واضحًا لبومبيو نفسه”.

وبما أن بومبيو لا يخفي مساعيه لتمهيد الطريق للترشح لانتخابات 2024 الرئاسية، استغل بومبيو بصورة مثيرة للجدل منصبه لإلقاء خطابات حزبية، وأقام حفلات عشاء حصرية لداعمين أثرياء، وغازل مجموعات مسيحية، وزار ولايات حاسمة مهمة في الداخل الأمريكي مثل “أيوا”، وتودد إلى قادة أجانب متسلطين، فضلًا عن استغلاله للسياسة الخارجية الأمريكية لتناسب آراءه الرجعية المتطرفة.

إن مكائده المسيّسة لم تمرّ دون ملاحظة؛ إذْ حققت وزارة الخارجية التابع لها بومبيو في سلوكه المهني. وقد اتُّهم بالكذب بشأن المكالمة الهاتفية مع أوكرانيا، وهي القضية التي عرّضت ترامب للمحاكمة في الكونجرس في المرة الأولى. لبعض الوقت، ساعد بومبيو الرئيس ترامب في رفض نتائج الانتخابات، عبر الحديث عن “ولاية ثانية”.

وجّهت مقالة افتتاحية لصحيفة نيويورك تايمز يوم الجمعة نقدًا لاذعًا لبومبيو، قائلة “الأنانية على حساب المصلحة الوطنية لا تليق بدبلوماسي شريف أو شخص وطني”.

ويتبنى كثيرون في الخارج موقفًا حذرًا تجاه بومبيو؛ فقد تعرّض بعد حرصه على تجنب الخوض في المواجهة ضد ترامب في الأسبوع الماضي، لتجاهل تام من جانب الأوروبيين، بعد أن ذهب إلى بروكسل دون دعوة؛ فسياسيو الاتحاد الأوروبي الذين تعرضوا لإهانات في الماضي، ردّوا الصفعة ضد بومبيو هذه المرة، فلم يكن لديهم وقت لمقابلته، وقد أُلغيت الرحلة!

ويأمل كثيرون في أوروبا أن بومبيو سيذهب بلا رجعة، لكن هذا مستبعد، فلو حقق مراده، سيكون بومبيو هو ترامب المقبل، وهذا احتمال مزعج لأمريكا والعالم.   

للاطلاع على الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى