الترجماتالصفحة الرئيسية

نيويورك تايمز| أزمة البطالة تضرب الصين وتطال خريجي الجامعات

ترجمة – بسام عباس

بمجرد تخرجها، لم تحضر “يانج شياومين”، الطالبة الجامعية البالغة من العمر 21 عامًا في شمال شرق الصين، معرض التوظيف الجامعي، كما أنها لم تبحث عن وظيفة بنفسها، إذ تعتقد أنها لن تستطيع الحصول على فرصة عمل على الإطلاق.

وقالت يانج إن “بعض الوظائف لا تطلب أشخاصًا حاصلين على درجة البكالوريوس”، ونتيجة لذلك، التحقت هي و3.77 مليون من أقرانها بامتحان القبول الوطني للدراسات العليا الشهر الماضي، قائلة: “ربما لا يساعدني الالتحاق بالمدرسة العليا في العثور على وظيفة أفضل، إلا أنه على الأقل يمنحني المزيد من الخيارات”.

انتعش الاقتصاد الصيني من جائحة فيروس كورونا المستجد، حيث أظهرت البيانات الصادرة أنه قد يكون الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي حقق نموًا العام الماضي. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال هناك نقص خطير في بعض المجالات، من حيث توفير وظائف مثالية ذات رواتب عالية لعدد متزايد من خريجي الجامعات في البلاد. وإذ كان الانتعاش مدفوعًا بشكل أساسي بصناعات أصحاب الياقات الزرقاء [العمال] القائمة على التصنيع، لا يزال الاقتصاد الصيني يعتمد بشدة على هذه الصناعات.

 وبتشجيع من الحكومة، يبحث العديد من الطلاب عن حل مؤقت، متمثلًا في مواصلة الدراسة، حيث أعلنت وزارة التعليم الصينية في ذروة الوباء أنها ستطلب من الجامعات قبول مزيد من أعداد المرشحين للماجيستير ليصل عددهم إلى 189 ألف طالب دراسات عليا، بزيادة 25٪ تقريبًا للحد من البطالة، كما ستزداد أعداد طلاب المرحلة الجامعية أيضًا بأكثر من 300 ألف.

في الشهر الماضي، اجتاز ما يقرب من 4 ملايين مرشح امتحان القبول للدراسات العليا، بزيادة قدرها 11٪ تقريبًا عن العام السابق، وأكثر من ضعف العدد لعام 2016. ففي أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي، عادةً ما تصبح الجامعات في جميع أنحاء العالم مقصدًا مهمًّا لكثير من الناس، ولكن في الصين، الضغط لتطوير الالتحاق بالجامعات مشكلة طويلة الأمد. حتى قبل تفشي الجائحة، اشتكى خريجو البلاد من عدم وجود وظائف مناسبة كافية، ورغم أن بيانات التوظيف الرسمية غير موثوقة، إلا أن السلطات ذكرت في عام 2014 أنه في بعض المناطق، بلغ معدل البطالة لخريجي الجامعات بعد شهرين من التخرج 30٪.

ونتيجة لذلك، يخشى العديد من الصينيين من أن يؤدي نمو فرص الخريجين إلى تكثيف المنافسة الشرسة الموجودة بالفعل على الوظائف، ويقلل من قيمة الدرجات العلمية المتقدمة أو يؤجل كارثة البطالة، فيما استخدمت وسائل الإعلام الرسمية عنوانًا مثل: “هل طلاب الدراسات العليا محاصرون؟”

في السنوات الأخيرة، لم يربط الحزب الشيوعي المستقبل المشرق لخريجي الجامعات بالتنمية الاقتصادية فحسب، بل ربطه أيضًا “بالاستقرار الاجتماعي”، ومن ثَمَّ ازدادت مخاوفه من أنه إذا لم تكن فرصهم الاقتصادية جيدة؛ فقد تصبح مصدرًا للاضطراب السياسي.

 ومع ذلك، قال البروفيسور “مو جياهاو”، أستاذ سياسة التعليم الصينية بجامعة لينجنان في هونج كونج، إنه أثناء محاولتها خفض معدل البطالة لهؤلاء الأشخاص، يجب على الحكومة أيضًا أن تكون حذرة حتى لا تسمح لهم بالإفراط في التوقعات. ولفت إلى أنه “قد يؤدي هذا إلى توقعات خاطئة لأولئك الأشخاص الحاصلين على مؤهلات عالية.. لذا يجب أن تكون الحكومة الصينية شديدة الحذر بشأن طريقة التعامل مع مثل هذه التوقعات”.

 وتعد الجهود التي تبذلها الحكومة الصينية جزءًا من جهود أوسع لزيادة الالتحاق بالجامعات على مدى عقود، فوفقًا للإحصاءات الرسمية الصينية، كان هناك أقل من 3.5 مليون طالب جامعي وفي الدراسات العليا في عام 1997. وفي عام 2019، تجاوز هذا العدد 33 مليونًا، باستثناء مؤسسات التعليم عن بُعد والتعليم العالي للكبار.

ومع ذلك، فلا يزال نصيب عدد الدرجات العلمية المتقدمة للفرد متخلفًا عن مثيله في البلدان المتقدمة، فوفقًا للإحصاءات الحكومية، هناك ما يقرب من اثنين من طلاب الدراسات العليا لكل 1000 مقيم صيني، مقارنةً بتسعة في الولايات المتحدة. ورغم ذلك، لم يواكب الاقتصاد الصيني التوسع السريع في التعليم العالي؛ ما أدى إلى تنافس كل خريج جديد على عدد قليل من الوظائف.

وقد أدى الوباء إلى تفاقم هذه المخاوف، فقد كشف تقرير صادر عن “تشاوبين”، أكبر منصة للتوظيف في الصين، أنه في يونيو من العام الماضي، بلغ معدل بطالة خريجي الجامعات على المنصة في عام 2020 26.3٪. وبحسب التقرير، فقد انخفض عدد الوظائف المعروضة على المنصة لخريجي الجامعات الجدد بنسبة 7٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين ارتفع عدد المتقدمين بنحو 63٪.

من جانبه، قال البروفيسور “مو جياهاو”: “ما يحتاجه الاقتصاد الصيني حاليًا هو المزيد من الموهوبين من ذوي المؤهلات التقنية، وليس فقط الشهادات الجامعية العادية… هناك عدم تطابق في المهارات”.

وهذه المنافسة تجعل العديد من الطلاب يشعرون بأنهم مضطرون للدراسة للحصول على درجة علمية متقدمة، ولهذا تدرس “يانج شياومين” إدارة موارد الأراضي، وقالت إنها عرفت في وقت مبكر أنها ستلتحق بكلية الدراسات العليا لأن الدرجة الجامعية وحدها كانت “ليست كافية”، كما أنها كانت تدرك جيدًا أن المنافسة على القبول ستشتد بعد تفشي الجائحة، وقالت: “بما أنك اخترت أداء امتحان القبول للدراسات العليا، فلا يمكنك أن تخاف من الزحام”.

وقد تقدم الطلاب بأعداد غفيرة للتسجيل في برامج الدراسات العليا حتى أطلق عليه البعض “حمى امتحان القبول للدراسات العليا”، فيما يخشى الكثير من الناس أنه مع زيادة عدد المسجلين، ستنخفض جودة التدريس أو قيمة الدرجات العلمية، بينما شكّك آخرون في أن الحكومة ربما تؤجل عملية الحد من البطالة لبضع سنوات أخرى، في حين يساور بعض الناس مخاوف من أن الشركات سترفع معايير القبول لديها، فيما يعتقد آخرون أنه لا توجد أماكن كافية لاستيعاب جميع الطلاب.

حتى أن أحد مستخدمي الإنترنت كتب: “فتح المجال للتسجيل لا يتعلق فقط بالرياضيات.. يجب أن نفكر في تأثير ذلك على تحسين العملية التعليمية والتنمية الشاملة للمجتمع”. ومع تزايد مخاوف الشعب، اضطرت السلطات للرد، حيث اعترف “هونج دايونج”، المسئول بوزارة التعليم، في مؤتمر صحفي الشهر الماضي، أنه مع زيادة برامج الدراسات العليا، عانت بعض الجامعات من نقص في المعلمين. ومع ذلك، ذكر أن المسئولين سيطبقون إجراءات أكثر صرامة لمراقبة الجودة، فيما ستشجع الحكومة الجامعات على تقديم المزيد من درجات الماجستير ذات التوجه المهني لمساعدة الخريجين في العثور على وظائف. بالإضافة إلى ذلك، طالبت الحكومة الفيدرالية الشركات المملوكة للدولة بتوظيف خريجين جدد، معلنة أنها ستقدم الدعم الشركات التي توظفهم.

ومع ذلك فقد كانت هناك بعض التوصيات الفجة، ففي مقابلة مع صحيفة “جلوبال تايمز” الرسمية، قال “تشو تشاو”، الباحث في الأكاديمية الصينية للعلوم التربوية، إنه يجب على الخريجين إبقاء تطلعاتهم منخفضة لأنهم بهذه الطريقة، يمكنهم العثور على وظائف في قطاعات أخرى مثل توصيل الطعام أو التوصيل السريع.

وربما تؤدي التوقعات المفرطة بالفعل إلى تكثيف المنافسة على العمل، فوفقًا لموقع التوظيف “تشاوبين”، هناك نحو 1.4 وظيفة في المتوسط متاحة لكل متقدم من خريجي الجامعات حتى بعد الوباء، لكن “مو جياهاو” قال إن العديد من الخريجين يركزون فقط على المدن الكبرى أو يتوقعون رواتب عالية، ومع ذلك، فقد قال بعض الطلاب إن تشجيع الحكومة الفيدرالية على مواصلة التعليم العالي لن يؤدي إلا إلى زيادة توقعاتهم.

من جانبها، قالت “باي جينج تينج”، طالبة الاقتصاد في مقاطعة آنهوي: “إن لكل شخص طموحاته الخاصة، حتى لو كان القليل من الغرور”. وأضافت أنها حضرت معرض الوظائف بالجامعة الخريف الماضي، لكنها لم تجد أي وظيفة ملائمة، وقالت: “نظرًا لأنني قررت الالتحاق بامتحان القبول للدراسات العليا، فسأعتبر بالطبع أنه سيكون من الأسهل العثور على وظيفة في المستقبل، وسيكون من الأسهل العثور على الوظيفة التي أريدها”. ومما يزيد من حدة المنافسة حقيقة أن العديد من طلاب الجامعات الذين كانوا قد خططوا للدراسة أو العمل في الخارج، لم يعد هذا الخيار الآن ممكنًا.

أما “فان ليدي”، وهو خريج حديث من مقاطعة تشينجهاي الغربية، فقد خطّط قبل تفشي الجائحة للذهاب إلى أيرلندا للالتحاق ببرنامج ماجستير لمدة عام في إدارة الموارد البشرية، حيث كان يأمل في العمل هناك في المستقبل وكان متحمسًا لإمكانية تعلم ثقافة جديدة، لكنه تخلى عن هذه الخطة وينوي البحث عن وظيفة في مسقط رأسه بعد إكمال دراسته، كما أنه قرر أن يكمل دراسته عبر الإنترنت بسبب قيود السفر.

وقال “فان ليدي”: “لا يستطيع الأيرلنديون العثور على وظائف بأنفسهم، ناهيك عن الأجانب”، وأضاف أنه مع تصاعد المشاعر المعادية للصين في العديد من الدول الغربية، فإنه يشعر بالقلق من التمييز. “أعتقد أن السفر إلى الخارج للعثور على وظيفة الآن قد بات بعيد المنال”.

وإلى هنا، بدأ بالفعل في حضور معارض التوظيف، لكنه لن يتمكن من إنهاء دراسته حتى نوفمبر، ورغم أن مسئولي التوظيف أبلغوه بأنه مبكر جدًا، إلا أنه على أي حال يقدّم لهم سيرته الذاتية.

ونظرًا للمنافسة الشديدة على مواقع التوظيف وقبول الخريجين، لا توافق “باي جينج تينج” على زيادة الحكومة أعداد الطلاب المقبولين في برامج الدراسات العليا، وقالت: الاقتصاد، وهو تخصصها الرئيسي، هو أحد التخصصات الأكثر شعبية، حيث المنافسة شرسة دائمًا، وقالت: “إلى أي مدى يمكن زيادة الأعداد؟ إنها مجرد نقطة في بحر”.

للاطلاع على الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى