الترجماتالصفحة الرئيسية

المركز الفرنسي للأبحاث وتحليل السياسات الدولية| الاتجاه الجديد للمتطرفين في أوروبا

رؤية

تواجه القارة الأوروبية تحديًا بالغ الصعوبة، في أعقاب الهجمات الإرهابية الأخيرة، التي شهدتها فرنسا والنمسا، مما دفعها لتكثيف جهودها للقضاء على الإرهاب، وتبلورت هذه الجهود في الاجتماع الذي جمع وزراء داخلية أوروبا، الجمعة الماضية، في بروكسل، واتفق الوزراء الأوروبيون، خلال اجتماعهم، على تبادل المعلومات بشأن مكافحة الإرهاب، وتعزيز القوات المكلفة بمحاربته.

وهذه ليست المرة الأولي التي يجتمع بها الوزراء من أجل توسيع نطاق استراتيجيتهم في مكافحة الإرهاب، فقد سبق، وتم توسيع نطاق التعاون في مراقبة المنصات الالكترونية،  وتعزيز الحدود الخارجية فيما بينها، لكن المسألة أضحت، وفق المراقبين، أكثر تعقيدا والأمن المجتمعي والقومي للاتحاد الأوروبي يتعرض لمزيد من الصدمات الأمنية، وصعوبة التحكم في العناصر المتطرفة الخطيرة، التي تتحرك بنوع من السهولة ما يجعل الأوروبيين في سباق مع الزمن لكسب رهان التحديات التي تعترضهم.

لذلك تناقش هذه المقالة الطبيعة المتحولة للجهاديين التي جعلت التحديات الأوربية أكثر تعقيدا، والسيناريوهات المحتملة للمواجهة والتصعيد.

السمات الجديدة للمتطرفين في أوروبا

على الرغم من تضاؤل وتيرة الهجمات الإرهابية في السنتين الأخيريتين في أوروبا، إلا أن القلق المجتمعي والسياسي والأمني  يتزايد من احتمالات حدوث هجمات إرهابية.

فالهدف الذي حققته معظم التنظيمات الإرهابية، هو إبقاء المجتمعات الغربية في حالة من الشك والارتياب بوقوع هجمات إرهابية مفاجئة، لقد تغيرت استراتيجيات العمل في الحركات الإرهابية، في كثير دول العالم وأصبحت تطور من قدراتها من أجل التملص من الملاحقات الأمنية والاستخباراتية.

عدم الاعتماد على التراتبية التنظيمية

 غيرت التنظيمات الإرهابية من تكتيكاتها  وأسلوب التراتبية التقليدي الذي كانت تتبعه سابقاً، بعدما أصبحت على قناعة أنها ملاحقة ومرصودة بشكل كبير، لقد تأثرت بشكل كبير بعد الخسائر التي منيت فيها وفقدته المساحات الجغرافية التي حكمتها، ناهيك عن الملاحقات الاستخباراتية الأوربية في تفكيك شبكات هذه التنظيمات في الدول وحتى في أوروبا نفسها، جراء التعاون المشترك.

كل ذلك كان دفعها الى الارتكاز على استراتيجية الفاعل الوحيد Lone Actor Strategy، أو ما يعرف اعلاميا بالذئاب المنفردة، حيث لا يأخذ الارهابي أوامره من القيادات العليا للتنظيم، ويكتفي الفرد في تقدير الظروف المحيطة والإعلامية ليشكل قراره الخاص هل يقوم بتنفيذ عمل إرهابي أم لا؟ كما يقوم هو نفسه باختيار الهدف والمكان والزمان، وهذا ما يضيف صعوبات كبيرة لعمليات تحديد الهدف أو التنبؤ بوقع حدث إرهابية ما.

ويؤكد تقرير المؤشر العالمي للإرهاب لسنة 2015 ذلك التوجه، إذ كشفت معطياته تصدر الهجمات التي ينفذها أفراد لم يثبت انتماؤهم إلى أي تنظيم (lone wolf attacks) بـ 164 هجمة في مقابل 74 هجمة من جهات متعددة، وذلك ما بين 2006 و2014.

تأقلم العناصر الإرهابية مع التقنيات التكنولوجية الحديثة

 على الرغم من المؤتمرات والتدريبات الكبيرة والاتفاقيات بين الدول التي تدعوا الى التعاون بين الأجهزة المختلفة في ملاحقة الإرهاب، إلا أن العديد من التقديرات تظهر أن هناك تطور كبير في قدرة أفراد التنظيم الإرهابية  في استخدام التكنولوجيا والتعامل معها، فهي  تتقن الولوج إلى شبكات Dark Net وهي مناطق يصعب احيانا على اجهزة الامن والاستخبارات ملاحقتهم هناك. هذا الدخول في الشبكة المعتمة يمنح التنظيم قدرة على جمع المعلومات والتخفي وشراء الاسلحة وتحويل الاموال اللازمة لأي عملية ارهابية، ناهيك عن قدرتهم على التجنيد هناك والوصول الى أفراد جاهزين نفسيا للانضمام لمثل هذه التنظيمات. أي عملية ارهابية هي بالأصل فكرة تحتاج الى وسائل وأليات وأدوات من اجل تنفيذها.

التهميش ليس هو القاعدة الأساسية في عملية التجنيد

 الأسباب التي تنطبق على العناصر التي تنتمى للتنظيمات الارهابية في مناطق مختلفة غير أوربية من العالم، لا تنطبق علي  العناصر الأوربية، إذ أن عوامل التهميش الاجتماعي والاقتصادي لا تتداخل بشكل دقيق مع سيمات العناصر الجهادية الاوربية، – بل في الواقع، جاء معظم المقاتلين الأجانب من مناطق ثرية نسبياً. فقد أتى نحو 90% من المقاتلين البلجيكيين من بروكسل، و10%من هوف، إحدى أغنى بلديات البلاد. ولم يأتِ أي مقاتل تقريباً من فالونيا، المنطقة الأكثر فقراً في بلجيكا.  كما أن 70% من الستة آلاف جهادي الأوربي الذين سبق وغادروا أوربا من أجل الانضمام الى تنظيم داعش وجبهة النصر في سوريا، أصلهم من بلجيكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.

هناك اعتقاد أن بعض المواطنين الأوربيين بشكل أو بأخر حتى الذين خضعوا نشأوا على النمط والنموذج التربوي الأوربي، أصبحوا أدوات ارهابية، متأثرين بتنظيم الدولة داعش، أي هو الذي ألهم هذه العناصر، ولم يؤسس لها أو لشبكات جهادية أوربية. هذه الفرضية بالغة الأهمية لتقيم ما تخبئه الحقبة الجهادية القادمة والمتوقع أن تتطور في المناطق المعتمة.

سيناريو تداعيات السمات الجديدة واستمرار حالة القلق

لا يمكن الجزم بالقضاء على الإرهاب أو تجنبه كليا، وهذا راجع لعوامل سيكولوجية واقتصادية وسياسية وأمنية ودولية، لكن تزايد وتناقص نسبة العمليات الإرهابية يمكن احتوائه من خلال استراتيجيات تختلف باختلاف بيئة وظروف كل دولة و السياقات الخارجية/ الإقليمية المحيطة بها.

لذلك وفقا للمعطيات السابقة، وعلى الرغم من العمليات الإرهابية في كل من فرنسا والنمسا، فإن حالة الاستقرار داخل أوروبا التي ساهم في بلورتها سياسات التباعد الاجتماعي، والإغلاق المتعمد على الانتشار الواسع للأجهزة الامنية لمتابعة تطبيق هذه السياسة، قد لا تستمر ويمكن أن تتصاعد  العمليات الارهابية الموجهة من قبل الافراد، وذلك وفقا لـ:

أن الدول ستبدأ بالفعل وفي القريب العاجل في تلقي لقاح فايروس كورنا، وهذا ما يعنى عودة الحياة المزدحمة الى سابق عهدها، وهذه بيئة خصبة لتنقل العناصر الارهابية التي تسعي للنيل من أكبر عدد بين التجمعات البشرية.

هناك حالة من الإجهاد الأمني ستخرج منها أجهزة  الأمن الأوروبية من جراء نشاطهم في احتواء جائحة فيروس كورونا، مما قد يؤثر بشكل كبير على أدائها في السنة المقبلة تجاه مسائل الإرهاب و التطرف، على اعتبار أن مهام الأجهزة الأمنية في فرض اجراءات الحجر الصحي و دور الاستخبارات المكثف في الاستخبار و التحقيق حول واقع الجائحة و مآلاتها، أدى بها إلى حالة الإنهاك، ما قد يجعلها تغفل عن تحركات العناصر الإرهابية لتتمكن هذه الأخيرة من تنفيذ عملياتها.

هناك توقعات بأن مرحلة بعد كورنا ليس كما كانت قبلها، وأن التغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية وخارطة التحالفات الدولية لا سيما بعد فوز بايدين سوف تكون واقعاً جديد ومختلفا عما سبق، وفي إطار هذه التغيرات المحتملة، ستعمد التنظيمات الارهابية  الى صنع اسم لها جديد في أوربا وفي إطار هذه المرحلة الجديدة، سيكون لها اجندة خاصة تفرض فيها نفسها كمؤثر لها أهدافها. وهذا يعنى أنه من المتوقع أن نشاهد اساليب وتكتيكات غير تقليدية ونماذج غير نمطية في العمليات الارهابية القادمة.

تطوير القدرات لتوائم حالة المخاطر الإرهابية القادمة

 المعطيات السابقة تعتبر بمثابة مؤشرات مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار، وتطوير القدرات الامنية بناء على  المهددات تلك اللامركزية، وحالة الارهاب السائب القادم. إذ على أنه:

• على المختصين أن يبحثوا قضايا الارهاب القادمة بعيدا عن التفسيرات الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، مع التركيز أكثر على القدرات المكتسبة في عالم التكنولوجيا كمتغير جديد متطور. والبحث عن المشتبه فيه في أوساط ليس بالضرورة اسلامية، قد يكون متخفي في مناطق لا يوجد بها مسلمين، فهذه تعتبر بيئة مثالية للاختفاء والتمويه.

• على أجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية توسيع دائرة التتبع والمراقبة والرصد للاماكن العامة ومناطق التجمعات، وإضافة معايير جديدة أخرى لتحليل الصور والبيانات تعتمد على مدخلات جديدة للعمليات الارهابية الاخيرة.

• متابعة كافة الجمعيات والمؤسسات في الدول التي يشتبه لها أي علاقة كانت في مثل تلك التنظيمات، حتى وإن اثيرت حولها تقارير اعلامية غير مؤكدة.

•  التدريب بشكل أوسع على امكانية احتواء المخاطر الارهابية بشكل أسرع، وذلك من خلال توسيع مدارك  عناصر الامن حول الاشخاص المحتملين بالقيام بعمليات ارهابية، وكيفية رصدهم ومتابعتهم، والاشتباه فيهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى