الترجماتالصفحة الرئيسية

فوربس | هل من الممكن أن تصبح الحياة على المريخ حقيقة؟

ترجمة – شهاب ممدوح

منذ أن بدأ الإنسان مراقبة السماء، كان مفتونًا باحتمال أن العوالم الأخرى – مثل الأرض تمامًا – ربما كانت تحتوي على كائنات حيّة. وبالرغم من أن زياراتنا إلى القمر علّمتنا أنه قاحل وغير مأهول، غير أن العوالم الأخرى الواقعة داخل منظومتنا الشمسية ما تزال مليئة بالإمكانات الواعدة، وربما توجد حياة على قمم سحب كوكب الزهرة، وقد يعجّ قمرا “أوروبا” و”إينسلادوس” بالحياة بفضل محيط من المياه السائلة تحت سطحيهما، حتى البحيرات الهيدروكربونية السائلة في قمر “تيتان” تُعدّ مكانًا مذهلًا يحفّزنا على البحث عن كائنات حيّة غريبة فيه.

لكن الاحتمال الأكثر إدهاشًا يكمن في الكوكب الأحمر: المريخ. من المؤكد أن هذا الكوكب الأصغر والأبرد والذي يُعد ابن عم بعيد لكوكب الأرض، كان له ماض رطب، حيث تدفقت المياه السائلة بوضوح على سطحه لمدة مليار سنة، وأشارت أدلة ظرفية إلى أن إمكانية الحياة على المريخ لا تنحصر في الماضي القديم فحسب، لكن هذا الاحتمال لا يزال قائمًا، وربما نشطًا أحيانًا حتى في يومنا هذا. هناك خمسة احتمالات للحياة على كوكب المريخ.. إليكم ما نعرفه حتى الآن:

بحسب المعلومات التي حصلنا عليها من المركبات المدارية ومركبات الإنزال والمركبات الجوالة، بات لدينا عدد كبير من الاكتشافات المذهلة عن المريخ، وأصبحنا نرى مجاري أنهار جافة وأدلة على أحداث جليدية قديمة على سطح المريخ، كما وجدنا قطعًا صغيرة من “الهيماتيت” عليه، فضلًا عن أدلة وفيرة تشير إلى وجود صخور رسوبية، وكلاهما يتشكلان فقط على كوكب الأرض في بيئات مائية، ولاحظنا كذلك وجود ثلج وجليد صلبين تحت السطح وحتى مياه سطحية مجمّدة متاحة في الوقت الحقيقي.

كما لاحظنا ما بدا أنها مياه سطحية مالحة تتدفق بنشاط من فوق جدران حُفر عديدة، على الرغم من أن هذه النتيجة ما تزال مثيرة للجدل. إن جميع المكوّنات المطلوبة للحياة على الأرض كانت متاحة في بدايات تشكُّل كوكب المريخ أيضًا، من بينها غلاف جوي سميك ومياه سائلة على سطحه، وبالرغم من أن المريخ لم يعد يبدو أنه يعجّ بالحياة اليوم، إلا أن هناك ثلاثة أدلة تشير إلى أن احتمالية وجود حياة في الماضي أو في وقتنا الراهن.

الدليل الأول الأكثر إقناعًا يأتي من معدات كانت على متن مركبات الهبوط Mars Viking التابعة لوكالة “ناسا” في عام 1976. لقد تم إجراء ثلاث تجارب بيولوجية: تجربة تبادل الغازات، وتجربة الإطلاق الموسوم (Lablled release)، وتجربة إطلاق حراري (pyrolytic release) ، تلتها تجربة بواسطة مقياس الطيف الكتلي الاستشرابي الغازي (gas chromatograph mass spectrometer experiment ). وقد أسفرت تجربة الإطلاق الموسوم عن نتيجة إيجابية عند أدائها على مركبة الهبوط Viking، لكن فقط في المرة الأولى التي تم فيها الاختبار، غير أن جميع التجارب الأخرى كانت نتائجها سلبية.

جاء الدليل الثاني عندما تمت استعادة جزء من نيزك مريخي- Allan Hills 84001 – في السابع والعشرين من ديسمبر عام 1984. وقد اتضح أن 3 بالمائة تقريبًا من جميع النيازك التي سقطت على الأرض أتت من المريخ، لكن ذلك النيزك لم يكن كبير الحجم، كان وزنه 2 كيلوغرام تقريبًا. وقد تشكل بالأساس على كوكب المريخ منذ 4 مليار سنة مضت، وهبط على الأرض منذ 13 ألف سنة مضت فقط. وعندما فحصنا النيزك عام 1996، بدا أنه يحتوي على مواد ربما تكون من بقايا أشكال حياة عضوية متحجّرة، أو ربما تكون نشأت من عمليات غير عضوية أيضًا.

وأخيرًا، الدليل الثالث أتى من آخر مركبة أرسلتها ناسا للمريخ: مركبة “كيوريوستي” (Curiosity)؛ فمع تغيّر الفصول على المريخ، رصدت مركبة “كيوريوستي” “تدفقًا” لغاز الميثان صادر من مواقع محددة تحت الأرض، لكن ذلك حدث فقط في نهاية الشتاء المريخي ومع بداية فصل الربيع هناك. وهذه إشارة غامضة، في أفضل الأحوال، إذ إن العمليات غير العضوية والجيوكيميائية يمكن أن تكون فصلية، وينتج عنها إطلاق لغاز الميثان، لكن العمليات العضوية والحيوية يمكن أن تتسبب في هذا أيضًا.

وعندما ننظر إلى مجموعة الأدلة هذه – وكل شيء تعلمناه بشأن المريخ – سنجد لدينا خمسة احتمالات بشأن تاريخ الحياة على الكوكب الأحمر. قد يكون هذا الكوكب مجرد عالم قاحل للأبد، وقد يكون عالمًا كان يعجّ بالحياة لبعض الوقت ثم وصلت تلك الحياة لطريق مسدود، وقد تكون هناك حياة عليه في يومنا الحالي، وقد تكون بذور الحياة على الأرض انتقلت للمريخ في وقت مبكر، أو أن الكائنات الأرضية الموجودة على المريخ انتقلت إليه منذ بداية عصر استكشاف الفضاء.. وإليكم ما يعنيه كل احتمال من هذه الاحتمالات:

  1. المريخ لم تكن عليه حياة مطلقًا من قبل

بالرغم من امتلاكه للمواد الخام ذاتها الموجودة على الأرض المبكرة، ولظروف مائية مماثلة، إلا أن الظروف الضرورية التي تساعد على وجود حياة لم تحدث مطلقًا على المريخ. إن كل العمليات الكيميائية والجيولوجية التي تحدث بشكل غير عضوي حدثت بالفعل هناك، ولكن لم تحدث عمليات عضوية. ومنذ أكثر من ثلاث مليار سنة مضت، تم تجريد الغلاف الجوي للمريخ من جانب الشمس؛ ما أدّى إلى تجفيف كل المياه السائلة السطحية وظهور المريخ الحالي.

هذا هو الموقف الأكثر تحفظًا، ويتطلب أن يكون لجميع الاختبارات الثلاثة “الإيجابية” المزعومة، إما حل غير عضوي أو قائم على التلوث، وذلك أمر محتمل للغاية ويظل في عقول الكثيرين هو الافتراض الأساسي، وإن لم تظهر أدلة مقنعة تشير بقوة إلى الحياة الماضية أو الحالية على المريخ، فربما يظل هذا هو الافتراض الأهم.

2) كانت هناك حياة على المريخ في البداية، لكنها اندثرت. إن هذا السيناريو مقنع كما السيناريو الأول، فمن السهل تخيل أن الحياة ممكنة على كوكب يتمتع بالآتي:

  • غلاف جوي سميك شبيه للغلاف الجوي للأرض المبكرة.
  • مياه سائلة ومستقرة على سطحه.
  • قارات غنية بالتنوع البيولوجي.
  • براكين.
  • مجال مغناطيسي.
  • يوم مماثل في طوله لليوم على الأرض.
  • درجات حرارة أبرد قليلًا فقط من درجات حرارة الأرض اليوم.

وبالنسبة لكثيرين، من المستحيل تقريبًا تخيل ألا تقود هذه الظروف – بعد مرور أكثر من مليار سنة – للحياة، بالنظر إلى أن الحياة على الأرض لم تنشأ إلا منذ بضع مئات ملايين السنين بعد تشكّل الأرض.

مع هذا، فإن خسارة المريخ لمجاله الجوي كان له تأثير قوي على هذا الكوكب، وربما أدّت إلى انقراض جميع أنواع الحياة عليه. إن الحفر في الصخور الرسوبية على المريخ، والبحث عن أشكال الحياة الأحفورية، أو حتى الشوائب الغنية بالكربون المتحول، ربما تكشف عن أدلة لازمة للتحقق من هذا السيناريو.

  • كانت هناك حياة مبكرة على المريخ ولا تزال مستمرة في شكل خامل على الأغلب تحت السطح. هذه هي النظرية الأكثر مدعاة للتفاؤل، لكنها الأكثر عمليةً من الناحية العلمية بشأن الحياة على المريخ. فربما تشكّلت الحياة مبكرًا، وعندما خسر المريخ مجاله الجوي، بقيت بعض الكائنات المحبة للظروف القاسية في حالة حياة معلقة ومجمّدة. وعندما ظهرت الظروف الملائمة – ربما تحت الأرض، حيث يمكن للمياه السائلة أن تتدفق أحيانًا – “استيقظت” تلك الحياة وبدأت في أداء وظائفها الحيوية المهمة.

ولو كان ذلك هو ما حدث بالفعل، فإنه لا يزال من الممكن العثور على كائنات تحت سطح المريخ، ربما في الرمال الضحلة على بُعد أقدام أو بوصات تحت مركبتنا الفضائية. نحن ربما نتحدث هنا فقط عن حياة وحيدة الخلية، ربما لا تصل حتى لتعقيد الخلية حقيقية النواة، لكن الحياة في أي عالم آخر ليس الأرض، ستكون بمثابة ثورة للعلم. إن مركبة “بيرسفيرانس” (Perseverance) التابعة لوكالة ناسا التي أُطلقت بنجاح في الثلاثين من يوليو عام 2020، ستجمع عينات تربة مهمة لاختبار هذا السيناريو النظري.

  • لم تكن هناك على المريخ حتى نقلت إليه الأرض بذور الحياة. منذ 65 مليون عام مضى، اصطدم جسم كبير للغاية يتحرك بسرعة كبيرة بالأرض، ما تسبب في ظهور حفرة “تشيكشولوب” (Chixulub crater)، وأثار مواد تكفي لتغطي الأرض بسحابة من الحطام؛ ما تسبب في حدوث خامس أكبر عملية انقراض جماعي في تاريخ الأرض. ومثل العديد من الاصطدامات الهائلة، ربما تسبب ذلك الاصطدام في تناثر قطع صغيرة من كوكب الأرض وانتقالها إلى الفضاء، تمامًا مثلما تسببت الأجسام المصطدمة بالقمر والمريخ في إرسال نيازك إلى جميع أرجاء النظام الشمسي، حيث سقط بعضها في النهاية على الأرض.

حسنًا، هناك بعض الاصطدامات التي ربما تفعل عكس هذا: حيث يتم إرسال مواد أرضية إلى عوالم اخرى، من بينها المريخ، ويبدو من غير المنطقي أن المواد الموجودة في قشرة الأرض والغنية بالحياة العضوية، لم تنتقل مطلقًا إلى المريخ. وعلى العكس من هذا، يبدو معقولًا للغاية أنّ كائنات أرضية انتقلت إلى المريخ وبدأت في التكاثر هناك، سواء نجحت في الازدهار أو فشلت. وربما سنتمكن يومًا ما من معرفة التاريخ الكامل للحياة على المريخ، ونحدد ما إذا كان أيّ شكل من أشكال الحياة لها جذور مشتركة واحدة تنحدر منها الحياة الحالية على كوكب الأرض.

  • برنامجنا الفضائي المعاصر ينشر الحياة من كوكب الأرض إلى كوكب المريخ. وأخيرًا، ربما كان المريخ حقًّا كوكبًا قاحلًا بلا حياة – على الأقل لمليارات من السنين – حتى فجر عصر استكشاف الفضاء. ربما تكون المواد الفضائية التي لم يتم تطهيرها أو تعقيمها بنسبة 100 بالمائة، سقطت على سطح المريخ، جالبةً معها خلسة كائنات أرضية حديثة.

إن الكابوس الأسوأ لعلماء الأحياء الفلكية هو وجود تاريخ مذهل للحياة يمكن اكتشافه في عالم آخر، لكننا نلوثه بكائناتنا قبل أن نعلم التاريخ الحقيقي للحياة على هذا العالم. وفي السيناريو الأسوأ، قد تكون هناك حياة بسيطة مريخية الأصل على كوكب المريخ، لكن الحياة الأرضية انتقلت للكوكب وتفوقت على الحياة فيه؛ ما أدّى لانقراضها السريع. إن هذه الخشية الحقيقية والسليمة، هي السبب الذي يجعلنا في أحيانٍ كثيرة متحفظين من وجهة نظر بيولوجية عندما نستكشف كواكب أخرى وعوالم خارجية.

ولا شك أن هناك أملًا عظيمًا أن الأجيال الحالية والمقبلة لمركبات المريخ المدارية والجوالة، ستساعدنا في نهاية المطاف على فهم ما إذا كانت هناك أي حياة على كوكب المريخ – سواء كان في الوقت الحالي أو في أي مرحلة في ماضية. لو كانت الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب، فإنها تقودنا إلى سؤال متابعة مهم: هل هذه الحياة مرتبطة بالحياة على الأرض أو مستقلة عنها؟ من الممكن أن الحياة نشأت على الأرض ثم انتقلت إلى المريخ، ومن المحتمل أن الحياة نشأت على المريخ ومن ثم انتقلت إلى الأرض، ومن المحتمل حتى أن الحياة كانت موجودة قبل نشأة الأرض والمريخ، ومن ثم انتقلت أشكالها المبكرة إلى الكوكبين وضربت بجذورها هناك.

لكن في هذه المرحلة، ليس لدينا أدلة دامغة تشير إلى أن الحياة كانت موجودة إطلاقًا على المريخ، ولدينا بعض التلميحات التي قد تكون بمثابة مؤشر على الحياة الماضية أو الحالية هناك.

وكما هو الحال دائمًا، فإن الطريقة الوحيدة التي تساعدنا على اكتشاف الحقيقة، تتمثل في إجراء تجارب علمية أكثر وأفضل بواسطة معدات وتقنيات ذات جودة عالية. ومع استعداد مركبة “بيرسفيرانس” التابعة لناسا لجمع عيّنات تربة متنوعة، فإن الخطوة المقبلة ستكون إعادة هذه العيّنات إلى الأرض لتحليلها في المختبر. ولو نجحنا في ذلك، فقد نعلم بكل تأكيد، في العِقد المقبل، أيًّا من هذه الاحتمالات الخمسة هو الأكثر اتساقًا مع حقيقة كوكب المريخ.  

للاطلاع على الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى