الترجمات

المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية | عقب صراع غزة.. لماذا ينبغي على أوروبا اتباع سياسة خارجية قائمة على الحقوق؟

رؤية

ترجمة – شهاب ممدوح

مما لا شك فيه أن الحرب الأخيرة أظهرت مجددًا أنه لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري لغزة أو للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي عمومًا. كان القتال الأخير بمثابة تذكرة موجعة بأنه إذا لم يحلّ الطرفان الأسباب الأساسية لهذا الصراع المستمر منذ زمن طويل، فستندلع أعمال عنف أخرى. ستدير كل جولة عنف عقارب الساعة للوراء في غزة، وتهدد بحدوث مواجهة أوسع نطاقًا داخل هذه المنطقة التي يترسّخ فيها تدريجيًّا حل الدولة الواحدة. إن الإعلان الأخير عن اتفاق هشّ لوقف إطلاق النار، هو خطوة مهمة، لكنها ليست كافية لو اقتصرت على إعادة الصراع إلى الوضع القائم الهش، وبقاء الفلسطينيين في بيئة يائسة لا يمكن العيش فيها.

تُبرز هذه الأحداث الحاجة إلى تدخل أوروبي. أوضحت إدارة بايدن، التي تواجه العديد من التحديات في مجال السياسة الخارجية، أنها لن تعطي أولوية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني خارج نطاق جهودها الدبلوماسية الحثيثة دعمًا لترتيبات وقف إطلاق النار. لو أراد الأوروبيون منع اندلاع مزيد من العنف وإيجاد حل يحترم الحقوق الإسرائيلية والفلسطينية، فسيحتاجون لرمي ثقلهم السياسي للتأثير على الصراع، عوضًا عن الاعتماد إلى ما لا نهاية على الولايات المتحدة. سيكون هذا بلا شك محل ترحيب من البيت الأبيض.

تعهّد متبرعون دوليون وأوروبيون بتقديم أموال إغاثة كبيرة إلى غزة – وهو أمر ينبغي الإشادة به. مع هذا، من أجل كسر حلقة الصراع، ينبغي على الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي الدفع قدمًا بردّ سياسي قائم على الحقوق، يتجاوز الفكرة ضيقة الأفق المتمثلة في الإغاثة الإنسانية ودعم إعادة الإعمار. هذه هي الطريقة الوحيدة نحو حل دائم لغزة وجهود صادقة لصنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

عبر تعاونهم مع شركاء مهمين، من بينهم العالم العربي، ينبغي للدبلوماسيين الأوروبيين حشد جهودهم نحو خلق أسس محادثات جوهرية بين إسرائيل وفلسطين. سيتطلب هذا أن ينخرط القادة الفلسطينيون في إصلاح سياسي وإعادة الحكم الديمقراطي، لا سيما المؤسسات الوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث إنه طوال فترة الصراع الأخير، بقيت السلطة الفلسطينية على الهامش.

إن عودة حُكم السلطة الفلسطينية إلى غزة هو هدف مهم. لكن هذا يواجه عقبة تتمثل في تزايد الطبيعة المستبدة للسلطة الفلسطينية وفقدانها للشرعية الشعبية، عقب إلغاء الرئيس محمود عباس مؤخرًا للانتخابات. يستحق الفلسطينيون قيادة مُمثِلة ومؤسسات خاضعة للمحاسبة، في حين ينبغي على الأوروبيين الآن الضغط على عباس لوضع تواريخ جديدة لانتخابات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

لا يجب أن يكون الدعم الدولي لغزة جزءًا من جهد صفري هدفه الإطاحة بحكم حماس. إن سياسة الاتحاد الأوروبي بعدم التواصل مع حماس، فشلت بشكل واضح في تحقيق هذا الهدف في السنوات الخمس عشرة الماضية، وأدّت إلى غياب كامل للنفوذ الأوروبي في غزة. ينبغي أن تدعم الدبلوماسية الأوروبية عملية ذات مصداقية بهدف إعادة الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين وإعادة الديمقراطية وعودة المؤسسات. ينبغي على الأوروبيين، ضمن هذه الجهود، تبنّي سياسة برغماتية للانخراط مع حماس، وتشجيع مشاركة الحركة في عملية سياسية جامعة يمكنها دعم جهود طويلة الأمد لإعادة تطوير غزة.

ستكون هناك أيضًا حاجة لحصول تحوّل في دوافع إسرائيل السياسية، والتي تفضّل في الوقت الراهن فكرة الاحتلال. إن التطبيق الحيادي وغير المشروط للقانون الدولي سيلعب دورًا مهمًا في هذا المضمار. ينبغي على الحكومات الأوروبية أن تفعل المزيد لضمان ألا تُفيد علاقاتها الثنائية مع إسرائيل مشروع هذا البلد الاستيطاني، بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334. يجب على الأوروبيين أيضًا دعم آليات المحاسبة الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، وهذه وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها لمواجهة أنشطة إسرائيل الاستيطانية وسلب ممتلكات الفلسطينيين، ويشمل هذا الطرد القسري لعائلات فلسطينية من حيّي الشيخ جراح وسلوان في القدس الشرقية. يمكن لهذه الآليات أيضًا أن تمنع وقوع صراع في غزة واستهداف المدنيين هناك، ويمكنها أيضا محاسبة الجماعات الفلسطينية المسلحة (من بينها حماس).

بالإضافة إلى هذا، ينبغي على الأوروبيين معالجة أسباب أزمة غزة الاجتماعية – الاقتصادية الدائمة. وبالرغم من أن أعراض هذه الأزمة ربما تكون إنسانية، إلا أن أسبابها سياسية تمامًا؛ حيث تتحمل حماس مسئولية كبيرة في هذا الوضع. إن المواجهات المسلحة المتكررة لم تفعل شيئًا لمنح سكان غزة الفلسطينيين الحياة الكريمة التي يستحقونها. بدلًا من هذا، جلبت هذه المواجهات الموت والدمار، لكن مشاكل غزة، فوق كل شيء، هي نتاج سنوات من الأغلاق والقيود الإسرائيلية. بينما تستهدف هذه الإجراءات ظاهريًّا حماس، إلا أن 2 مليون فلسطيني يعيشون هناك كانوا الأكثر تضررًا منها، ولا يمكن أن يكون هناك مستقبل لغزة طالما استمر حصار إسرائيل.

وخلاصة القول إن الأوروبيين لا يمكنهم الوقوف متفرجين على صراع يستمر في خلق تداعيات في حدودهم الجنوبية. إن الفشل في استثمار النفوذ السياسي الأوروبي في جهود دبلوماسية، سيضر بفرص تعافي غزة على المدى الطويل- ما سيشعل نزاعات مستقبلية، وسيرسّخ من حقيقة الدولة الواحدة التي ستؤدي لاحتلال لا نهاية له يُحرم فيه الفلسطينيون من حقوقهم وحرياتهم الأساسية. وصفت منظمة هيومان رايتس ووتش هذا الوضع بـ “الأبارتيد” (الفصل العنصري) – وهو مصطلح ينبغي أن يدق ناقوس الخطر في العواصم الأوروبية. لو كانت الحكومات الأوروبية لا تزال تعتبر حل الدولتين أفضل طريق لتحقيق المساواة والأمن للإسرائيليين والفلسطينيين، فإنه ينبغي عليها الاعتراف بأن هذه الرؤية غير متسقة مع استمرار واقع عدم المساواة الحالي. إن الانخراط مع الفلسطينيين ينبغي أن يعالج أوجه عدم المساواة الهيكلية الحالية. وإذا لم يعد حل الدولتين مجديًا، فسيتعيّن على الإسرائيليين والفلسطينيين تحقيق المساواة عبر حل سياسي بديل، بما في ذلك تطبيق أنواع مختلفة محتملة من نموذج الدولة الواحدة. ولا يمكن أن تكون الحقوق الممنوحة للإسرائيليين والفلسطينيين محصورة على طرف واحد. ينبغي على الحكومات الأوروبية ألا تخجل من الحجة القائلة إن السبيل الوحيد لضمان مستقبل عادل وآمن للإسرائيليين والفلسطينيين على حدٍّ سواء، هو إنهاء الاحتلال وضمان حقوق متساوية للجميع.   

لقراءة النص الأصلي .. اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى