الترجمات

الجارديان | كيف تحوَّلت الصين من الاحتفاء بتنوعها العِرقي إلى قمع الأقليات

رؤية

ترجمة – بسام عباس

إن الاعتقال الجماعي الذي تمارسه الصين لمسلمي الأويجور – وهم أكبر مجموعة دينية عِرقية منذ الحرب العالمية الثانية – ليس نتيجة حتمية أو متوقعة للسياسات الشيوعية الصينية تجاه الأقليات العرقية. لقد أمضيتُ العشرين عامًا الماضية في دراسة الأعراق في الصين، وعند مشاهدة الوضع الحالي في شينجيانج من خلال منظور التاريخ، يتضح شيء واحد: هذا ليس ما “كان من المفترض” حدوثه.

ففي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، كان الحزب الشيوعي الصيني متشبثًا بالنصر الثوري بأظافره، وكان اقتصاد ما بعد الحرب في حالة من الفوضى. ومع ذلك، التزم الحزب الشيوعي الصيني بالاعتراف رسميًّا بأقليات أكثر من أي نظام صيني آخر في التاريخ. ففي حين وافق القوميون التابعون لـ “شيانج كاي شيك” على مضض على الوجود الرسمي لخمس مجموعات عرقية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، اعترف الشيوعيون بـ 55 عرقية في المجمل (بالإضافة إلى أغلبية الهان)، والعديد منها يقل عدد سكانها عن عشرة آلاف نسمة.

وبذل الشيوعيون الكثير من الوقت والمال للاحتفاء بهذه المجموعات وتعزيزها. وأجرت الصين أكبر مسح اجتماعي في تاريخ البشرية، حيث أرسلت آلاف الباحثين إلى مجتمعات الأقليات، ومُلئت المكتبات بتقاريرهم. في حين ابتكر اللغويون أنظمة كتابة للأقليات التي لم تكن لديها بالفعل. وكان حجم استثمارات الصين في المجموعات التي صنفتها على أنها “أقليات” مذهلًا.

وإليكم المفارقة: لا يعتقد الشيوعيون الصينيون أن “الهوية العرقية” موجودة حقًّا، ليس على المدى الطويل. ولأنه متجذر في الماركسية اللينينية، تمسك الحزب بفكرة أن الطبقة هي البعد الأساسي الوحيد للهوية الإنسانية، أما الهويات الجماعية الأخرى، مثل الجنسية والدين والعرق، فهي سرديات طويلة الأمد ولكنها في نهاية المطاف سريعة الزوال، أنشأها الموجودون على قمة الهرم الاقتصادي لإلهاء الفقراء عن البحث عن الرفاق مع زملائهم البروليتاريين.

فلماذا إذًا يستثمر الحزب في شيء لا يعتقد أنه موجود؟

لتحييدها.

وبينما استخدمت دول أخرى الإنكار كتكتيك لمحاربة التهديدات المتصورة للتنوع العرقي الداخلي – الإصرار على تفرد الأمة وعدم قابليتها للتجزئة من خلال الاعتراف بأقل عدد ممكن من الأقليات، أو ربما عدم الاعتراف على الإطلاق – كانت خطة اللعبة الشيوعية الصينية عكس ذلك: الاعتراف بالتنوع العرقي حتى يصبح عديم التأثير، وتظل ترعاها حتى تنقرض.

وكان هدف الحزب الشيوعي من تبني الكثير من الهويات العرقية هو استباق تهديدات القومية المحلية، ولضمان ألا تطمح الأقليات القومية في البلاد أبدًا إلى تقرير المصير القومي أو الدول القومية، فإذا كانت الدولة تعترف بالأقليات وتدافع عنها، فما السبب الذي قد يضطر أي شخص للانفصال عنه وتشكيل كيانه السياسي؟

كان من المفترض أن تتكشف عملية تفكك بطيئة المفعول، فهي لم تكن بوتقة انصهار نارية بقدر ما كانت “على نار هادئة”. كان من المفترض أن تقل أهمية الهويات التي كانت مهمة بما يكفي لإعلان الاستقلال، وحتى الموت من أجلها. فقد كان الهدف من الناحية الفنية ليس الاستيعاب، فبعد مائة عام من الآن – أو حتى 200 أو 500 عام – يجب أن يظل هناك تبتيون وأويجور ومياو وغيرهم من الأقليات. غير أن هذه الألقاب لا ينبغي أن تظهر إلا في المناسبات الاحتفالية.

كانت الخطة فعالة بشكل ملحوظ. وبالنسبة لبعض الأقليات، مثل أقلية المانشو وتشوانج، فمن غير المألوف ألَّا يتكلم الأفراد لغة الماندرين الخالية من العيوب. وفي الوقت نفسه، تم تحويل مقاطعات يونان وجوانجشي وقويتشو – التي شهدت ذات يوم بعض أعمال العنف العرقي الأكثر دموية في تاريخ العالم – إلى أراض “ملونة” و”متناغمة” من ثقافات متنوعة جاهزة للترحيب بالسياح الباحثين عن الأصالة.

ولنكن واضحين، كانت هذه خطة شيطانية دموية. فقد كشف احتلال التبت في عام 1951 وقمع تمرد أمدو عام 1958، والعديد من الأحداث الأخرى المدى الدموي الذي ذهبت إليه الدولة وستذهب إليه للحفاظ على سيطرتها. حيث انتشر العنف العِرقي خلال الثورة الثقافية في عام 1966، إضافة إلى ذلك، حيث قام الماويون بتشويه المساجد وتفجير المعابد التبتية بالديناميت ومهاجمة من يرتدون الملابس العرقية، بقايا “الصين القديمة” التي سعوا لتدميرها.

وعلى الرغم من عنف هذه اللحظات، إلا أنها كانت عرضية وقصيرة العمر. ففي كل مرة، تعود الدولة إلى عهدها السابق بالاحتفال بهذه العرقيات وتحييدها. ماذا حدث؟ كيف أصبح الاعتقال الجماعي والتدمير المنهجي للمساجد والسجن لإظهار علامات التدين الإسلامي سياسة الدولة في شينجيانغ؟

هناك ثلاثة أسباب، في المقام الأول: تزايد عدم المساواة، والقوى التي أطلقتها تجربة الصين مع الرأسمالية، وظهور كبش فداء عرقي، يغذيها استياء صينيي عرقية الهان المتفشي.

ولطالما اعتمدت خطة اللعبة العرقية – السياسية للحزب الشيوعي الصيني على الفجوة بين الأغنياء والفقراء التي تقل ولا تتسع. ففي داخل الأغلبية الصينية الهانية – نظرًا لأن العديد من الجوانب الأساسية لـ “الحلم الصيني” بعيدة المنال، حيث يتجمع حتى خريجو الجامعات المرموقة في شقق ضيقة في ضواحي المدن التي لا يمكنهم تحمل تكاليف العيش فيها، على سبيل المثال – يتفشى الاستياء والتعصب. وليس من غير المألوف العثور على أشخاص يستهدفون، عبر الإنترنت، سياسات العمل الإيجابي والاحتفاء بالأقليات. ففي حين حافظ الحزب منذ فترة طويلة على قومية الهان – أو “الشوفينية” كما يسميها – فإن الحجم الهائل لهذا الضيق الغاضب لأغلبية الهان يتجاوز أي شيء تخطط له بكين على الإطلاق.

وفي هذه الأثناء، عندما تستمر مناطق الأقليات في التخلف عن مقاطعات هان الساحلية، وعندما تذهب الوظائف المحلية المربحة إلى المهاجرين الهان الداخليين، تجد مجموعة فرعية صغيرة طريقها إلى عوامل زعزعة الاستقرار الحالية للهوية العرقية: الانفصالية وتقرير المصير القومي، ومطالب أخرى تقض مضطجع أعضاء الحزب الشيوعي ليل نهار. وحتى بالنسبة لأولئك الذين ليس لديهم أي طموحات انفصالية – إلى حد بعيد غالبية الأقليات – حولت القوى الرأسمالية الهوية العرقية إلى شكل من أشكال السلع: منتج، في بعض المناطق، هو “محصولهم النقدي” الوحيد. لقد جعلت الرأسمالية الهوية العرقية أكثر تقلبًا وأكثر مقاومة لتفكك الحزب المأمول.

وهذا هو الوقود، الذي جمع على مدى سنوات عديدة من الجفاف، والذي اشتعلت فيه النيران في القرن الحادي والعشرين. حيث تحولت احتجاجات عام 2009 إلى أعمال شغب في أورومكي، وشينجيانج، وهجوم محطة كونمينج للسكك الحديدية عام 2014، وهذه الأحداث قدمت مبررًا لقمع بكين الوحشي ضد الأويجور المسلمين باسم “حرب الشعب على الإرهاب”. حيث تسببت في إضعاف، وربما التخلي، عن السياسات العرقية التي خدمت الحزب لمدة نصف قرن، والتي أنفقت على بنائها الكثير من الأموال.

فهل ستعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل؟ إنه أمر مشكوك فيه. ويبدو أن التحول في السياسة العرقية للحزب الشيوعي الصيني يختلط مع قوى أخرى قوية. فهناك مقامرة الصين بالبنية التحتية التي تقدر بمليارات الدولارات – مبادرة “الحزام والطريق” – تسير مباشرة عبر الشمال الغربي، حيث توجد شينجيانج. سيحتاج المهاجرون بسبب المناخ إلى العديد من الأماكن للذهاب إليها عندما تبدأ مياه البحر في ملء دلتا نهر بيرل المكتظة بالسكان، من بين مناطق أخرى. وفي الوقت نفسه، فإن نهج “دولة واحدة ونظامين” في هونج كونج قد تلاشى بحكم الأمر الواقع، ويبدو أن جمهورية الصين الشعبية قريبة بشكل مخيف من التفكير في غزو عسكري لتايوان. وإذا تخلى الحزب عن نموذج “56 جنسية في الصين”، فلن تكون سوى مجرد سياسة واحدة أخرى طويلة المدى تخلت الصين عنها في قائمة جذرية بالفعل.

مرة أخرى، لم يكن “من المفترض” حدوث ما جرى في شينجيانج. إنه ينذر بنهاية سياسات التنوع العرقي في الصين، أما بالنسبة لما يمكن أن يحل محلها، فإن الآفاق الحالية تبدو قاتمة للغاية.

لقراءة النص الأصلي.. اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى