الترجماتالصفحة الرئيسية

ناشيونال إنترست| كيف ستتعامل «عقيدة بايدن» مع الصين وتايوان؟

رؤية

ترجمة – شهاب ممدوح

لطالما دعم أصحاب النهج الواقعي فكرة وجود رؤية أمنية وطنية فيما يتعلق بفرص الترابط الاقتصادي والتعاون العالمي في مجال التقنية المتطورة. ومن هذا المنظور، أصبح الخصوم الاستراتيجيون أكثر ميلًا لبناء قرارات سياستهم الخارجية على اعتبارات المكاسب النسبية، أي أنه كلما كانت العلاقات عدائية، ضعفت الثقة وأصبح تعاونهم المتبادل أكثر هشاشة. علاوة على هذا، فإن طريقة نظر الدول المعادية إلى بعضها، تحدد شدّة الخصومة والعداء فيما بينها.

في الواقع، فإن المنافسة الأمريكية – الصينية المتزايدة أدّت إلى تصاعد توجّه فكري قوي تحت شعار “أمريكا المحصّنة” داخل الولايات المتحدة، والذي يُعزي مشاكل أمريكا الاقتصادية (مثل فقدان وظائف قطاع التصنيع وتزايد خلل الميزان التجاري، وسرقة الملكية الفكرية وأسرار الشركات، على سبيل المثال لا الحصر) إلى الممارسات الضارية التي يقوم بها الحزب الشيوعي الصيني منذ زمن طويل، مُستغلًا كرم أمريكا ومجتمعها المنفتح والتدفق الحر للمعلومات فيها. لقد زاد انتشار جائحة كوفيد19 من غضب واشنطن وحطّ من نظرتها تجاه جمهورية الصين الشعبية إلى أدنى مستوى (يشير معظم الخبراء إلى أن مصدر الوباء كان مدينة “ووهان” الصينية، لكن ينبغي القيام بمزيد من التحقيقات لمعرفة ما إذا كان الفيروس انتقل من حيوان أو كان مجرد حادثة معمل). زادت هذه الأحداث من مقاومة الولايات المتحدة للصين، وعززت المطالبات المنادية بإجراء انفصال اقتصادي مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم أثناء حكم إدارة ترمب، وتواصلت هذه المطالبات في عهد إدارة بايدن.

التحدّي الصيني

عدّل الرئيس جو بايدن، المؤيد المخضرم للنزعة الدولية والذي دافع عن فكرة التعاون الإيجابي مع بكين عندما كان عضوًا في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وعندما أصبح لاحقًا نائبًا للرئيس أوباما، من موقفه طويل الأمد في مجال السياسة الخارجية، وتبنّى استراتيجية تجاه العلاقات الأمريكية – الصينية متكيّفة مع تغيّر الحقائق الدولية والمحلية. وشدد الرئيس في خطاب ألقاه في فبراير الماضي بشأن السياسة الخارجية قائلًا: “سنتصدّى بشكل مباشر للتحديات التي تواجه رخاءنا وأمننا وقيمنا الديمقراطية والقادمة من أخطر منافس لنا، الصين”. لقد كان لقاء الرئيس بايدن مع أعضاء مبادرة “الحوار الأمني الرباعي” في مارس، ومع رئيس الوزراء الياباني في إبريل، ومع الرئيس الكوري الجنوبي في مايو، هو ردّ على تصرفات الصين المزعزعة للاستقرار في منطقة المحيطين الهندي – الهادئ، وكانت هذه اللقاءات بمثابة الأساس الذي يقوم عليها كلامه بشأن التصدّي للصين.

أثناء أول جولة خارجية له إلى أوروبا في يونيو، أعاد بايدن التأكيد على مقولة أن “أمريكا عادت” وذلك خلال اجتماعات قمم الدول السبع وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، متعهّدًا في جميع تلك المحافل بحشد حلفاء واشنطن وشركائها الديمقراطيين لتقديم “تعهدات متضافرة” للتصدّي للتحديات وردع التهديدات في هذا العصر الجديد.

تطرقت البيانات المشتركة التي تم الإعلان عنها، إلى التحديات التي تمثلها بكين ضد النظام العالمي القائم على القواعد. تضمنت تلك الشواغل أيضًا مسألة تايوان، تلك الجزيرة الديمقراطية التي تتمتع بحكم ذاتي والتي تتعرض لضغوط صينية شرسة ومتصاعدة، وذكر البيان: “نحن نؤكد على أهمية السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان، ونشجع على حل سلمي للمشاكل عبر المضيق”.

قلل الرئيس بايدن من نفوذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي التقاه بايدن في آخر يوم في جولته الأوروبية. وأشار بايدن إلى تراجع مكانة روسيا “ومشاكلها الاقتصادية” في وقت تمضي بكين قدما سعيًا منها ليصبح لديها أقوى اقتصاد وجيش في العالم. تتمثل الرسالة الأساسية هنا في أنه ليس من مصلحة واشنطن أو موسكو الوطنية إعادة بدء الحرب الباردة مع بعضهما؛ لأن التهديد المشترك هو الصين.

عقيدة بايدن

بالتالي، تبنّت إدارة بايدن أجندة قومية متعددة الأطراف لرسم مسار سياستها تجاه الصين. تعتمد هذه العقيدة الاستراتيجية الناشئة على النهج العالمي الذي ساد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والاحتفاظ في الوقت ذاته بمبدأ دونالد ترامب “أمريكا أولًا”: تعزيز المصالح والفوائد الاقتصادية للطبقة المتوسطة والعالمة في أمريكا. وكما أوضح وزير الخارجية الأمريكي “أنطوني بلينكين”، فإن “الفروقات بين السياستين الخارجية والمحلية تلاشت. فالتجديد المحلي وقوتنا على العالم أصبحا متشابكين تمامًا”. ستتعامل الولايات المتحدة مع الصين وتواجهها بطريقة قائمة على فكرة تحقيق نتائج، ما سيعود بالفائدة بشكل واضح على مصالح الشعب الأمريكي وقيمه.

يتطلب هذا البرنامج: (1) تعزيز المرونة الاقتصادية الأمريكية عبر زيادة الاستثمارات في التعليم وتجديد البنية التحتية، (2) وتعميق التعاون مع حلفاء وشركاء أوروبيين وفي منطقة المحيط الهادئ لضمان أمن وسلامة سلاسل إمداد أشباه الموصلات وتقنيات أخرى متطورة وتحريرها من عمليات تعطيل خبيثة تقوم بها الصين، (3) وتنشيط الشرعية والكفاءة الديمقراطية في الصراع المتواصل مع النهج الاستبدادي القائم على هيمنة الدولة. إن تايوان فيما يبدو تقع في قلب هذه الرؤية.

بالإضافة إلى قيم تايوان الديمقراطية وجاذبية قوتها الناعمة، تستضيف هذه الجزيرة أيضًا أحد أهم شركات صناعة الرقائق في العالم، شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات (TSMC). نظرًا لان أشباه الموصلات باتت تحدّد شكل الاقتصاد والجيوش في المستقبل، بداية من السيارات الكهربائية والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى حاملات الطائرات والطائرات المسيّرة، أصبحت تايوان جزءًا مهمًا من الأمن التكنولوجي وسلامة سلاسل الإمداد لأمريكا والدول الديمقراطية الحليفة. بالتالي، وصفت مجلة “إيكونوميست” تايوان بأنها “أخطر مكان على الأرض” نظرًا لتزايد التوترات بين الولايات المتحدة والصين عبر مضيق تايوان. أن أي صراع عسكري أو حالة عدم استقرار في الجزيرة، يمكن أن يضرّ بمصالح أمريكا ورفاهية الاقتصاد العالمي.

ردًّا على ارتفاع حالات الإصابة والوفاة بكوفيد19 مؤخرًا في تايوان، فضلًا عن محاولات الصين المزعومة لتقويض جهود الجزيرة لشراء المزيد من اللقاحات من السوق العالمي، تبرّعت اليابان والولايات المتحدة بكرم ب 1.2 مليون و2.5 مليون جرعة، على التوالي، إلى الجزيرة. انتقد مسئول في إدارة بايدن منع بكين وصول لقاحات لتايوان لأغراض سياسية، واصفًا إياه بـ “المشين”.

هل ينجح نهج بايدن؟

لكن، بالرغم من هدف بايدن المتمثل في بناء تحالف ديمقراطي دولي لمواجهة الصين ودعم تايوان، إلا أنه من غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت واشنطن وحلفاؤها/شركاؤها يعملون في تناغم بشأن هذه القضايا. أولًا، يشكك الكثيرون فيما إذا كانت رئاسة بايدن مجرد مرحلة شاذة ومؤقتة، إذ يمكن أن يُعاد انتخاب ترامب (الذي ما يزال يهيمن على الحزب الجمهوري وجزء كبير من الناخبين الأمريكيين) أو أحد حلفائه القوميين لمنصب الرئيس في العشرين من يناير عام 2025. فأمريكا، على أي حال، تظل بلدًا منقسمًا وتعاني من استقطاب شديد. إن الخشية من عودة حتمية إلى نهج “أمريكا أولًا” يحدّ من قدرة بايدن على إصلاح النهج متعدد الأطراف وتحالفات أمريكا في المحيط الأطلنطي ومنطقة المحيطين الهندي – الهادئ.

ثانيًا، حرصًا منها على مصالحها الاقتصادية والتجارية، فإن العديد من الدول، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكوريا الجنوبية، وبدرجة أقل بريطانيا وأستراليا واليابان والهند، لا ترغب في انقطاع كامل للعلاقات مع بكين. بعيدًا عن خطاباتها الرنانة، سيجد المرء أن دعم هذه الدول لتايوان وقضايا أخرى مناهضة للصين، رمزي أكثر منه جوهري. أخيرًا، بالرغم من أن الرئيس بوتين واعٍ تمامًا لنفوذ الصين العسكري والاقتصادي المتزايد، إلا أنه لا يُظهر حماسة كبيرة، على الأقل في الوقت الحالي، لتأييد “استراتيجية نيكسون المعاكِسة” قائلًا بوضوح: “نحن لا نظن أن الصين تمثل تهديدًا لنا… الصين بلد صديق. هي لم تعتبرنا عدوًّا لها، كما فعلت الولايات المتحدة”. ونتيجة لذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت خطة بايدن الاستراتيجية ستنجح على المدى الطويل.

للاطلاع على الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى