الترجماتالصفحة الرئيسية

ذا ديبلومات | ماذا تعني حكومة طالبان لبقية دول جنوب آسيا؟

ترجمة – بسام عباس

لعشرات السنين، اهتمت السياسة الأمنية الهندية بشمالها (الصين) وغربها (باكستان)، ومما يسَّر هذا الاهتمام حقيقة أنه في غضون عشر سنوات أو نحو ذلك، لم تواجه الهند أي تحديات إرهابية خارجية أو أمنية داخلية من جيرانها، سواء في الشرق أم الجنوب. ومع ذلك، فهناك تغيير استراتيجي مستجد، يبدو الآن أنه يهدد أمن الهند من هذه الاتجاهات.

فمع تحقيق طالبان مكاسب كبرى واستيلائها على أراضٍ جديدة في أفغانستان، أصبحت التهديدات العابرة للحدود، مثل التطرف والإرهاب، تشكّل تهديدًا متزايدًا للمنطقة. وقد بات هذا أكثر وضوحًا، إذ تشير العديد من التقارير إلى أن طالبان تؤوي العديد من عناصر تنظيم القاعدة وقادته، بما في ذلك تنظيم قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية، الذي يضم كوادر وقواعد عمليات في جميع أنحاء شبه القارة الهندية.

وعلى الرغم من أنه كان هناك الكثير من الجدال حول كيفية تأثير طالبان على الهند وباكستان والصين، لم يكترث الكثيرون لكيفية تأثير طالبان على دول جنوب آسيا الأصغر الأخرى، وبالتالي على الهند.

ومع صعود حركة طالبان، باتت بنجلاديش معرضةً لمخاطر متزايدة، فقد دخلت بنجلاديش بالفعل في خضم عودة ظهور القومية الإسلامية الأصولية، والتي بدأت في أوائل عام 2010 مع قيام حكومة رابطة عوامي [حزب الشعب] بإعدام القادة الإسلاميين في الجماعة الإسلامية. وأحدثت عمليات الإعدام هذه ردة فعل عنيفة وضخمة لدى المنظمات الإسلامية التي ترى أن الإسلام يتعرض للخطر، وتهدده القوى العلمانية والديمقراطية. وبالتالي، كانت المنظمات الجامعة مثل “جماعة حفظة الإسلام”، في طليعة الجهاد ضد هذه القومية العلمانية، كما تلقت دعمًا شعبيًّا من الآخرين، بسبب عدم رضاهم المتزايد عن حكم الشيخة حسينة. وقد خلق هذا أيضًا أرضًا خصبة للتنظيمات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش، لاستهداف الأصوات العلمانية، وتطرف الشباب البنجلاديشي، وكذلك إعادة تقوية شبكاتها مع المنظمات المحلية الأخرى مثل جند التوحيد الخلافة، وتنظيم قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية، وحركة الجهاد الإسلامي، وجماعة المجاهدين البنغالية.

ولهذه التنظيمات المحلية تاريخٌ حافلٌ من العلاقات مع طالبان والقاعدة منذ أواخر الثمانينيات والتسعينيات وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين. والآن ستعطي القوة المتزايدة لطالبان زخمًا وطاقة جديدة لهذه التنظيمات. وبالعودة إلى السنوات التي كانت فيها طالبان تحكم أفغانستان، وتوفر المأوى للقاعدة، فقد أرسلت حركة طالبان مقاتليها البنغال المخضرمين لتدريب الشباب البنغالي وإدماجهم في التنظيمات المتطرفة، وكذلك تطوير علاقات وثيقة مع الجماعات المحلية، مثل حركة الجهاد الإسلامي وجماعة المجاهدين البنغالية، كما صدّرت طالبان الأسلحة والذخيرة والمتفجرات ومئات المقاتلين المتطرفين إلى بنجلاديش، إلى جانب متطرفي الروهينجا الباحثين عن ملاذ، وذلك بالتنسيق مع تنظيم عسكر طيبة. وقد كانت هذه محاولة لإسكات الأصوات العلمانية والديمقراطية في بنجلاديش، بالإضافة إلى شن حرب جهادية ضد الهند وميانمار.

واليوم، يبدو أن هناك تهديدًا مشابهًا، ولكنه أخطر، يواجه بنجلادش وجيرانها، الهند وميانمار، حيث تتزايد احتمالية سيطرة طالبان في أفغانستان جنبًا إلى جنب مع تزايد موجة الأيديولوجية الإسلامية والقومية في بنجلاديش، حتى في الوقت الذي يعيش فيه ملايين اللاجئين الروهينجا في أوضاع مزرية داخل حدود بنجلاديش.

وهناك تحدٍّ مماثل سيواجه جزر المالديف، فقد أدى دخول الوهابية السلفية إلى جزر المالديف منذ تسعينيات القرن الماضي، مصحوبًا بالصعوبات الاقتصادية التي سببها إعصار تسونامي عام 2004، والدعاية الأصولية التي روج لها الحكام المستبدون (مأمون عبد القيوم وعبد الله يمين) إلى خلق أرضية خصبة للمشاعر الأصولية المناهضة للديمقراطية في جزر المالديف. وقد كان الهجوم الإرهابي الأخير على الرئيس السابق “محمد نشيد” دليل آخر على ازدهار الأصولية في البلاد.

ورغم أن جزر المالديف لم تشهد سوى عددًا قليلًا من الحوادث الإرهابية المنعزلة محليًّا– مثل تلك التي حدثت في الأعوام 2007 و2017 و2020 و2021– إلا أن البلاد لديها أعلى نسبة في أعداد المقاتلين الإرهابيين الأجانب. وأثارت هذه الإحصائية قلق السياسيين ووكالات الأمن الإقليمية. وبينما حارب بعض هؤلاء الإرهابيين على الحدود الأفغانية الباكستانية جنبًا إلى جنب مع القاعدة والجماعات التابعة لها، فعل آخرون الشيء نفسه مع تنظيم داعش والجماعات التابعة له في الشرق الأوسط. ولكن مع إحباطهم من تحقيق دولة الخلافة، عاد بعضهم الآن إلى الأرخبيل. وسيتيح عودة حكم طالبان في أفغانستان منصة جديدة لتعزيز التطرف لدى هؤلاء المقاتلين ودفعهم لمواصلة حربهم في الداخل والخارج؛ ما سيؤثر على الهند، وذلك نظرًا للمشاعر المعادية للهند في جزر المالديف وبعض التطلعات السابقة لعدد من الأفراد الراديكاليين لتنفيذ هجمات في مناطق حساسة جنوبي الهند.

لكن هذا التهديد لا يقتصر على دول جنوب آسيا ذات الأغلبية المسلمة وحدها؛ بل من المحتمل أن تواجه دول مثل سريلانكا نوعًا مشابهًا من التهديد. فبعد انتهاء الحرب الأهلية في عام 2009، شهدت سريلانكا توترات متأججة بين مجتمعاتها المسلمة والبوذية. وقد ساهم هذا في اندلاع أعمال العنف في مناسبات متعددة، مثل تلك التي حدثت في أعوام 2009 و2014 و2017 و2018، وعزز التطرف والانتقام العنيف من الجماعات الجهادية الأصولية مثل “جماعة التوحيد الوطنية” المسؤولة عن تفجيرات عيد الفصح عام 2019.

في المقابل، أدى رد الحكومة على التفجيرات – التي تضمنت إغلاق أكثر من 1000 مدرسة إسلامية، وحظر البرقع، وإدخال سياسة مؤقتة لحرق جثث المسلمين المصابين بفيروس كورونا – إلى زيادة هذه التوترات وتمهيد الأرضية لمزيد من التطرف. وقد خلق هذا أيضًا تصورًا للدولة على أنها تضطهد المجتمعات الإسلامية، وذلك في وقت كان لتنظيمَي القاعدة وداعش وجود مباشر وغير مباشر في البلاد، حيث يعمل كلا التنظيمين الإرهابيين على استقطاب مزيد من العناصر المحلية من خلال الترويج بأن سريلانكا غير عادلة تجاه المسلمين.

وترتبط العديد من هذه المنظمات الإرهابية السريلانكية ارتباطًا وثيقًا بشبكات إرهابية في الهند وتدعمها، وخاصة تلك الشبكات المتواجدة فب ولايتي كيرلا وتاميل نادو، بل إن “جماعة التوحيد الوطنية” خرجت من رحم منظمة تاميل نادو التي تعتنق الوهابية السلفية وتروّج لها. ومن الواضح أن وكالات الأمن الهندية كانت قلقة أيضًا من استهداف المفوضية الهندية العليا في سريلانكا خلال تفجيرات عيد الفصح، كما أن بذور الأصولية في سريلانكا، وروابطها العابرة للحدود مع البر الرئيسي للهند، سوف تستغلها طالبان والقاعدة والمنظمات الباكستانية بشكل أكبر إذا ما سيطرت طالبان بشكل كامل على أفغانستان.

وبالتالي، فإن ظهور طالبان يمكن أن يشكّل تحديًا للوضع الأمني ​​في الهند، وسينتهي الهدوء النسبي الذي ساد حدودها الشرقية والجنوبية على مدى العامين الماضيين. وحتى لو تركنا جانبًا كيف يمكن لطالبان أن تؤثر هيكليًّا على الهند عبر الصين أو الولايات المتحدة، سيتعين على الهند أن تكون مستعدة لموجة جديدة من التحديات الأمنية الداخلية والأصولية من جانب جيرانها، وذلك لن يكون سهلًا بالنسبة لدولة تواجه تحديات أمنية، بينما تنشغل سياساتها بباكستان والصين.

للاطلاع على الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى