الترجماتالصفحة الرئيسية

أوراسيا ريفيو | أزمة المياه في إيران تهدد النظام

ترجمة – شهاب ممدوح

بالرغم من عيشه لما يزيد على أربعين عامًا تحت حكم نظام ديني قمعي وقاسِ، إلا أن الشعب الإيراني لم يقبل فشل الحكومة أو إساءة استخدامها للسلطة وهو مُطأطئ الرأس. أظهر الشعب الإيراني مرارًا وتكرارًا استعداده للمقاومة، مُتحديًا جهود قوات الأمن الحكومية الحثيثة لقمع أي مظهر من مظاهر الاعتراض.

تعاني إيران في الوقت الراهن من آثار جفاف وُصف بأنه الأسوأ منذ خمسين عامًا. وفقا لإدارة المياه والصرف الصحي الإيرانية، فإن 110 مدن إيرانية تعاني من انقطاع إمدادات المياه خلال عام 2021. دمّرت هذه الأزمة القطاعين الزراعي والحيواني وتسببت في انقطاع الكهرباء. إن السب الأساسي لانقطاع المياه والكهرباء، بحسب المحتجين، ليس الجفاف، بل انعدام الكفاءة والفساد الحكوميين المستمرين منذ زمن طويل.

يشير المحتجون إلى المنطقة الأسوأ تضررًا من الأزمة وهي محافظة خوزستان الغنية بالنفط في جنوب غربي البلاد. هنا فاقم الجفاف من المشاكل التي تواجهها خوزستان منذ عقود. تحتضن المحافظة أقلية عربية كبيرة تشتكي بصورة متكررة من إهمال النظام الإيراني لها. يحكي سكان خوزستان على منصات التواصل الاجتماعي أن محافظتهم لم يكن لديها مطلقًا مياه صنبور صالحة للشرب، وأنهم يضطرون لشراء المياه أو أخذها من الأنهار التي جفّ العديد منها الآن. قال محامون إن مشكلة خوزستان تنبع فيما يبدو من السرقة غير القانونية للمياه من تشعبات الأنهار في المنطقة. فاقم انقطاع الكهرباء من الأزمة، إذ يستخدم الكثير من الناس مضخات تعمل بالكهرباء لجلب المياه إلى منازلهم.

إن خوزستان هي المكان الذي شهد معظم انفجارات الغضب، لكن الاحتجاجات ضد عجز الحكومة الظاهر عن التعامل مع الوضع اندلعت في عموم البلاد، بما في ذلك العاصمة طهران. إن التعامل القاسي لقوات الأمن غالبًا ما يحوّل هذه المظاهرات إلى أعمال شغب، وهو ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص على الأقل، بحسب منظمة العفو الدولية.

وأفادت المنظمة أن “مقاطع مصورة تحققت منها منظمة العفو، فضلًا عن روايات متطابقة من أرض الواقع، تشير إلى أن قوات الأمن استخدمت أسلحة أوتوماتيكية فتاكة، وبنادق تستخدم ذخائر عشوائية، وغاز مسيّل للدموع لتفريق المحتجين”.

بالرغم من القيود التي فرضتها الدولة على الإنترنت، خرجت مقاطع مصورة عديدة من خوزستان يمكن من خلالها سماع طلقات بنادق ورؤية قنابل غاز مسيّل للدموع يتم استخدامها. في بعض المقاطع المصورة، يهتف محتجون في وجه قوات أمن تحمل هراوات وترتدي زيًا أسود على متن دراجات نارية.

كانت هناك العديد من المناسبات في الماضي القريب في إيران، التي انتقلت فيها احتجاجات شعبية من السبب المباشر للشكوى إلى هجوم على الحكومة. في عام 2009، أدّت عملية إعادة الانتخاب المُتلاعب بها لأحمدي نجاد لاندلاع غضب شعبي. خرج إيرانيون للشوارع بالملايين فيما سُمي لاحقا بـ “الحركة الخضراء” مُتهمين الحكومة بتزوير الانتخابات، ومُطالبين بعزل أحمدي نجاد وتنظيم انتخابات جديدة.

دخلت إيران في اضطرابات مجددًا في يناير 2018. في البداية كانت الاحتجاجات التي عمّت البلاد تتمحور حول ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية. ثم تحوّلت الاحتجاجات بعد وقت قصير إلى معارضة للمرشد الأعلى تحديدا. كانت هناك حالة غضب خاصة ضد إنفاق مبالغ مالية هائلة في الحرب الأهلية السورية ودعم إيران العسكري واللوجستي لحزب الله في سوريا، والحوثيون في اليمن وحماس في غزة. اعتبر المحتجون تلك المغامرات الخارجية بأنها كانت على حساب الشعب الإيراني.

في عام 2019، اندلعت مظاهرات مناهضة للحكومة في عموم البلاد عقب قرار مفاجئ بزيادة أسعار الوقود بثلاثة أضعاف. ذكرت منظمة العفو الدولية حينها أن 208 أشخاص على الأقل قُتلوا أثناء تلك الاحتجاجات.

تعرّض الاقتصاد الإيراني لضربة إضافية بعد انسحاب الرئيس الأمريكي حينها دونالد ترمب من الاتفاق النووي مع إيران في مايو 2020، وفرضه مزيدًا من العقوبات. كان تأثير ذلك على ميزانيات الأسر المعيشية كارثيًا. في الخامس والعشرين من يونيو، جرى إغلاق بازار طهران الكبير بعد انضمام تجار إلى احتجاجات الشوارع، وتحدّى آلاف المحتجين شرطة مكافحة الشغب التي حاولت قمع التمرد، انضمت مدن كبيرة أخرى إلى طهران، وهتف المحتجون بالعديد من الهتافات. دعا البعض المرشد الأعلى للاستقالة، والبعض الآخر هتف “الموت للكاذبين” فيما دعا آخرون الحرس الثوري الإيراني صاحب النفوذ القوي بمغادرة البلاد. الأمر الأسوأ من وجهة نظر المرشد الأعلى كان الظهور البارز للافتات كُتب عليها “الموت للديكتاتور”. 

تعمّقت المعارضة للحكومة أثناء أزمة المياه الأخيرة. أفادت تقارير بإطلاق محتجين في العديد من أماكن الاحتجاج شعارات تظهر حنينًا للشاه السابق من بينها “رضاه شاه، لروحك السلام”. كما ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو مصورة لم يتم التحقق من مصداقيتها. في إحدى تلك المقاطع هتف متظاهرون شعارات ضد خامنئي في بلدة “عليجودارز”. أظهر مقطع فيديو قصير نشرته “فرناز فصيحي” الصحفية في “نيويورك تايمز” أشخاصًا في ميترو طهران يهتفون “الموت للجمهورية الإسلامية” فيما يُظهر مقطع آخر سيدة وهي تهتف “فلتسقط الجمهورية الإسلامية”.

إن هذا الأدلة التي تشير إلى تنامي المشاعر المناهضة للنظام هزّت فيما يبدو القيادة الإيرانية. من المؤكد أن هؤلاء القادة قرروا محاولة إرضاء الشعب. في الثاني والعشرين من يوليو، ظهر الرئيس المنهية ولايته حسن روحاني على التلفاز ليس لإدانة الاحتجاجات، ولكن للتأكيد على أن الإيرانيين يملكون “حق الحديث والتعبير عن أنفسهم والاحتجاج بل وحتى الخروج للشوارع، وذلك في إطار القواعد والقوانين”. في اليوم التالي شدّد المرشد الأعلى على هذه الرسالة.

وصرّح خامنئي لوسائل إعلام حكومية “أظهر الناس عدم رضاهم”، وأضاف “لكن لا يمكننا توجيه اللوم للناس، ويجب حل مشاكلهم”، وطمأن خامنئي الأمة قائلا “الآن، الحمد لله، تعمل جميع الأجهزة الحكومية وغير الحكومية على حل أزمة المياه”.  من المؤكد أن روحاني وخامنئي وجّها تلك الرسائل على مضض.

تعرّض النظام الإيراني لهزّة عنيفة بفضل مزيج من الظروف القاسية، من بينها الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الأمريكية والسخط الشعبي المتزايد وسياسات الحكومة الخارجية والداخلية وجائحة كورونا والآن نقص المياه الذي تفاقم بسبب الجفاف الشديد. هناك تزايد في المشاعر المؤيدة لإنهاء حكم النظام الحالي، وحتى استعادة النظام الملكي. والسؤال الآن، إلى إين ستؤول كل هذه الأمور؟  

للإطلاع على المقال الأصلي إضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى