الترجماتالصفحة الرئيسية

عرب نيوز | لماذا لم يعد الشرق الأوسط يثق بأمريكا؟

رؤية

ترجمة – آية سيد

سوف يستغرق الأمر بعض الوقت حتى يهدأ غبار انسحاب أمريكا المتسرع من أفغانستان، نظرًا للتكلفة الباهظة لمشروع بناء الأمة الذي كان محكومًا عليه دومًا بالفشل، لكن النهاية المفاجئة للمغامرة التي استمرت لعقدين سوف تؤثر على كل ركن في العالم العربي.

سوف تجد واشنطن المهزومة والمنهكة صعوبة أكبر في ممارسة النفوذ في منطقة كانت، لعقود، محط التركيز الرئيسي لسياستها الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إن أي قدر ضئيل من السلطة كان البيت الأبيض لا يزال يمتلكه في المنطقة أصبح الآن في حالة يرثى لها.

وليست نكبة أفغانستان مجرد مثال على دولة أخرى تتعثر مع القدر بعد تجاوز نطاق مهمتها، وإطالة بقائها في منطقة هشة ومعرضة للصراع بشكل دائم. أصبحت أفغانستان – وبالتبعية العراق – ترمز إلى تتويج ما كان ينبغي أن تكون حملة عالمية حاسمة لمكافحة الإرهاب تتميز باستعراض للقوة الخشنة، والقوة الناعمة غالبًا عبر جهود مشوشة لبناء الأمة بعد الصراعات. لقد تجاوزت نشر الرجال، والذخيرة، والأموال سعيًا وراء أهداف ضيقة. كانت “الحرب على الإرهاب” استعراضًا قويًّا لالتزام أمريكا الدائم بالمنطقة، والمسافات المستعدة لقطعها سعيًا وراء مُثًلها الديمقراطية. كل هذا انتهى بالخروج السريع والفوضوي من كابول.

سوف يجادل البعض بأن العلامات كانت موجودة بالفعل، نظرًا لتناقص العائدات مما أصبح مغامرة جامحة. بالنسبة لهم، كان رحيل أمريكا يتعلق بـ”متى” وليس “إذا”.  كل ما كان ينقص هو الفرصة السياسية.

بالطبع، سوف يختلف المثقفون وكتّاب الرأي. وبغض النظر، توقيت قرار الرئيس بايدن المصيري سيكون دائمًا موضع جدل، بناءً على الجانب السياسي الذي ينتمي إليه الشخص. لكن الأمر غير القابل للنقاش هو التوجس الذي يخيّم على المنطقة التي يُعاد تشكيلها سريعًا بسبب المنافسات المشتدة والتعديات الأنانية من بكين وموسكو.

هناك مبرر كاف لنقاد بايدن لكي يتساءلوا إذا ما كان انهيار المصداقية الأمريكية سيسرّع عودة ظهور القاعدة أو داعش. يخشى آخرون من أن طالبان التي تبدو معتدلة قد تعلمت كيف أن المبادرات التصالحية والحديث الدبلوماسي المزدوج قد يُكسبها أصدقاء في الأماكن المستبعدة – مثل إيران.

في أجزاء أخرى من العالم العربي، لم تكن أفغانستان لعبة صفرية أبدًا، وما كان ينقص ليس غياب أمريكا، ولكن استراتيجية ذاتية الاستدامة. ولكون الورطة الأخيرة هي إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة لكبح برنامج إيران النووي، من المرجح أن تجد واشنطن صعوبة أكبر في الحصول على دعم وتعاون الشركاء الذين لم يعودوا مقتنعين بأن البيت الأبيض سيتمسك بالتزاماته.      

بالنسبة إليهم، الخطب الحماسية للرؤساء الأمريكيين أو القمم رفيعة المستوى لم تعد علامات موثوقة على الاهتمام الأمريكي الدائم. إن الطريقة الوحيدة للوثوق بأمريكا هي قياس أي نتائج سياسة خارجية ستحقق أكبر عائد سياسي قبل الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية.

بيد أن الرأي العام الأمريكي كان داعمًا بشكل كبير للانسحاب من أفغانستان، ولتخفيض تواجد الولايات المتحدة بالخارج لصالح حل المشاكل الداخلية. هذه الحقائق تعقد أجندة وزارة الخارجية، خاصة الأجزاء التي تسترشد بنظرة بايدن – بلينكن العالمية بأن القيادة الأمريكية ينبغي أن تدور حول تعزيز المشاركات متعددة الأطراف، وإقناع الشركاء، والحلفاء والخصوم بالحوار بدلًا من شن الحرب.

ومع الأسف، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تذهب إلى هذا الحد إذا كان أقوى حلفاءها غير مقتنعين بامتداد التزاماتها بعد الانتخابات القادمة، وهو ما يدمر الجهود في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تهدف إلى عقد السلام، ومكافحة الإرهاب، وتسهيل الاندماج الإقليمي.

خذ على سبيل المثال المغرب العربي، حيث يختلف المغرب والجزائر باستمرار على الصحراء الغربية، ويتنافسان على الهيمنة على أجزاء من شمال إفريقيا والساحل. يتمتع كلا البلدين بعلاقات قوية مع واشنطن، وهما حليفان قويان في جهود احتواء فروع القاعدة وداعش في المغرب العربي، وتعطيل شبكات تمويل الإرهاب عبر التهريب وتدفق الأسلحة من ليبيا إلى الجماعات المتطرفة في منطقة الصحراء الكبرى وجنوبها. الآن، المغرب والجزائر في خصومة مرة أخرى، ودون وجود أمريكا الموازن للأمور، من المحتمل أن ينهار التعاون لمواجهة التهديدات المشتركة.

نفس الشيء ينطبق في ليبيا، حيث حافظت الجهود التي تقودها أمريكا على بعض الزخم في جهود بناء السلام والحوار بين المصالح المتضاربة، غير أنه إذا فشلت انتخابات ديسمبر في الانعقاد، أو أثمرت عن نتيجة تجعل الحرب الأهلية حتمية، ستتجنب الولايات المتحدة الورطات الأعمق. في النهاية، سيفضّل بايدن تجنب تداعيات أخرى تستمر لعقد، مثلما حدث بعد تدخل الناتو المضلل في 2011.

تتكرر نفس هذه القصة في أنحاء المنطقة، من السودان إلى الصومال، والشام، والخليج، حيث يبدو أن المصالح الأمريكية تفقد ديمومتها بسرعة. يجب أن تتقبل السعودية، والعراق، والأردن، والإمارات التواجد الأمريكي المخفض، في ظل سحب مئات القوات، والطائرات وأنظمة الدفاع الجوي فيما يشك البعض إنه جهد لاسترضاء إيران قبيل اتفاقية لإحياء الاتفاق النووي.

وعلى نحو مفاجئ، تراهن إدارة بايدن على خطة العمل الشاملة المشتركة المتجددة كحلقة وصل لإعادة المشاركة الأمريكية البناءة في منطقة لا يبالي بها معظم الأمريكيين ولا يكترثون لها. إن الحصول على توقيع إبراهيم رئيسي على أي اتفاقية ربما يحرز بعض النقاط لإدارة في حالة دفاع عن قرار أفغانستان في الداخل. ولكن بالخارج، يبقى أن نرى كيف ستنقذ الولايات المتحدة سُمعتها المشوهة من حطام الخروج من أفغانستان.

في النهاية، كل ما يتبقى هو جمهور إقليمي مرتاب بصورة متزايدة مُجبر على التأقلم مع ما ستلغيه واشنطن لخدمة محورها إلى منطقة المحيط الهندي-الصين. بالنسبة إليهم، ما ينتظرهم هو مستقبل مظلم مُسمم بعقدين من الإخفاقات المكلفة، وواقع جديد ينطوي على أمريكا جديدة غير مهتمة بحراسة العالم.   

للاطلاع على الرابط الأضلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى