الترجماتالصفحة الرئيسية

معهد الدراسات الأمنية الإفريقي | لماذا قرر السودان تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية؟

ترجمة: آية سيد

في شهر أغسطس، أعلنت وزيرة الخارجية السودانية مريم صادق المهدي أن بلادها ستسلّم كل المشتبه بهم الذين اتهمتهم المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم في دارفور من 2003 إلى 2004.

يقع الرئيس السابق عمر البشير ضمن من اتهمتهم المحكمة الجنائية الدولية ولديه قائمة طويلة من التهم المحلية والدولية ليُساءل عنها. إنه يقضي حاليًا عقوبة السجن لعامين بتُهمة الفساد ويواجه لوائح اتهام جنائية خاصة بانقلاب 1989 الذي تولى فيه السلطة. ونظرًا للكم الهائل من طلبات العدالة التي يجب أن تتعامل معها الحكومة الانتقالية، فإن تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية قد يكون أفضل خياراتها.

على الرغم من أن السلطات لم تعلن جدولًا زمنيًّا للتسليم، فإن هذا هو أقوى التزام ظهر لنقل البشير والمتهمين الآخرين في دارفور إلى مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ومن أجل تطبيق هذا، يحتاج قرار الحكومة الآن إلى موافقة من المجلس السيادي الحاكم الذي يتكون من أعضاء عسكريين ومدنيين.

يبدو أن مسئولين عسكريين محوريين ورفيعي المستوى مشاركون في المساءلة، حيث صرّح اللواء محمد حمدان دقلو، نائب الرئيس، أن السودان مستعد للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. عندما كان البشير رئيسًا، لم تكن هناك فرصة لتسليمه إلى المحكمة. كان هذا جزئيًّا لأن بعض الدول التي انضمت إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية رفضت إلقاء القبض عليه عندما كان على أراضيها. والسبب الآخر هو أنه في السودان، كان الرئيس محصنًا من الملاحقة القضائية.

الآن انقلبت الأمور. منذ الإطاحة بالبشير في 2019 وفي ظل وجود دستور انتقالي جديد، هناك تفاؤل حذر بأن الحكومة المؤقتة ستفي بوعدها بتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن السؤال المهم هو لماذا قرر السودان الآن تسليم البشير بدلًا من محاكمته في الوطن على جرائمه المزعومة في دارفور؟

السبب المحتمل الأول هو أنه على الرغم من أن السودان لديه تشريع لمحاكمة البشير والآخرين على جرائم الحرب، لم تُستخدم المادة 18 من قانون العقوبات في أية محاكمة على الإطلاق. إن وجود فجوة في القدرة على التعامل مع هذه الجريمة والثقل السياسي للمتهم قد يؤدون إلى عثرات قضائية ويُضعفون حُجة الادعاء.

يتطلب مبدأ التكامل في القانون الجنائي الدولي أن تحاكم الدول أولًا الجرائم الدولية وأن تُستخدم المحاكم الدولية كـ”ملاذ أخير”. لكن يجب أن تكون هناك رغبة حقيقية من جانب الدول للنظر في هذه القضايا. هل السلطات القضائية السودانية راغبة وقادرة على محاكمة البشير على الجرائم المرتكبة في دارفور؟

السبب الثاني والمرتبط عن كثب بهذا هو مسألة تمويل محاكمة في السودان. حتى لو كانت مستعدة لمحاكمة الجرائم الدولية، فإن الدولة قد لا تمتلك الموارد لفعل هذا. إن هذه المحاكمات باهظة التكلفة. على سبيل المثال، وضعت المحكمة الجنائية الدولية ميزانية تُقدّر بـ 2 ونصف مليون يورو تقريبًا لقضية دارفور في 2021 وحدها. ولذلك قد يكون من البراجماتية أن تتولى المحكمة الجنائية الدولية هذه القضايا.

إن المحاكمة المحلية في الخرطوم أو دارفور ربما تكلف أقل من المحاكمة في لاهاي، غير أن الحكومة الانتقالية المفتقرة إلى المال سوف تحتاج لتجميع مبالغ ضخمة من المال من أجل قضية بهذا الحجم والنطاق. وبخلاف البشير، سيتعين على السودان النظر في محاكمة المشتبه بهم الآخرين المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم دارفور، مثل أحمد هارون وعبد الرحيم حسين، المحتجزين حاليًا في الخرطوم، وكذلك أيضًا عبد الله بندة أباكر نورين، الهارب.

سيتعين على حكومة السودان أيضًا التفاوض على النقل المعقد لعلي كشيب، الذي تحتجزه المحكمة الجنائية الدولية حاليًا في لاهاي، إلى السودان – وهي نتيجة مستبعدة بشدة. السبب المحتمل الثالث لتسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية هو أنه لا يوجد إجماع وطني حول احتياجات العدالة والمساءلة للشعب السوداني. هذا بسبب الحجم والنطاق الهائل لانتهاكات حقوق الإنسان والمخالفات التي ارتكبتها الحكومة الحاكمة السابقة.

بالوضع الحالي، المناطق المختلفة لها احتياجات عدالة مختلفة. على سبيل المثال، ينصب التركيز في الخرطوم على محاسبة المسئولين عن مذبحة 3 يونيو 2019 التي مات فيها أكثر من 128 شخصًا خلال الاحتجاجات. في دارفور، الأولويات مختلفة بطريقة مفهومة. تسببت الحرب في المنطقة الغربية من البلاد من 2003 إلى 2004 في موت نصف مليون شخص تقريبًا ونزوح أكثر من مليوني شخص.

إن التصورات داخل السودان مهمة، لذلك موازنة مطالب العدالة المختلفة دون التسبب في مزيد من التهميش مهمة شاقة للحكومة الانتقالية. لقد طالبت عدة ولايات الانفصال بالفعل. لذلك فإن التعامل مع هذا، إلى جانب مهمة نزع المركزية عن السياسة وتوفير العدالة في الخرطوم سيكون لهم تأثير كبير على مسار التحول السياسي في السودان. 

السبب الأخير هو أن قرار تسليم المشتبه بهم سيحسن موقف السودان في المجتمع الدولي. إن إزالة الدولة من قائمة رعاة الإرهاب الأمريكية وقرار السودان الأخير بالانضمام إلى نظام روما الأساسي يُظهران تقدمًا في هذا الصدد. ويُعدّ قرار الخرطوم بتسليم أولئك المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية خطوة ذكية؛ حيث إن الحكومة الانتقالية تضع نفسها في موضع مدافع عن حقوق الإنسان. إنه يشير إلى التزام السلطات السودانية بضمان مساءلة المسئولين عن الجرائم الوحشية وسيكون له تأثير رادع على القادة في المنصب.

لم تُحدَد بعد التفاصيل الفنية حول متى وأين سيُحاكم المشتبه بهم في جريمة دارفور. لا يزال هناك حديث عن محكمة خاصة لدارفور. حتى الآن، يخدم قرار السودان كتذكير لمن يتولون السلطة بأن الحصانة ليست دائمة. كل ما يتطلبه الأمر هو تغيير في السياسة الداخلية لقلب الموازين لصالح العدالة والمساءلة.

للاطلاع على الرابط الأصلي .. اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى