الترجماتالصفحة الرئيسية

معهد كاتو | استعداء روسيا.. مهمة أتقنتها إدارة بايدن

رؤية

ترجمة – شهاب ممدوح

يبدو أن إدارة بايدن مصممة على تجاوز أسلافها في اتخاذ إجراءات من المؤكد أنها ستثير عداء روسيا. خلال الأسبوعين الماضيين فقط، بذلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو قصارى جهدهم لاستفزاز روسيا في أربع مناسبات منفصلة. إن مثل هذا السلوك غير المسؤول يفاقم من توترات خطيرة بالفعل مع قوة عظمى مسلحة نوويًّا.

خلقت الولايات المتحدة أجواء عدائية باختيارها مبعوثًا خاصًا إلى الكرملين ضمن ما كان يفترض أنه مسعى منها لإصلاح العلاقات الثنائية المتدهور بشدة. عوضًا عن اختيار شخص يكون على الأقل مقبولًا من القادة الروس، أرسلت الإدارة وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية “فيكتوريا نولاند”. إن “نولاند” ليست شخصية كارهة بشدة لروسيا فحسب، لكنها مشهورة أيضًا بدورها في مساعدة متظاهرين للإطاحة بالرئيس الأوكراني المنتخب الموالي لروسيا “فيكتور يانوكوفيتش” عام 2014، عندما كانت تتولى منصب مساعدة وزير الخارجية في إدارة باراك أوباما. فرضت الحكومة الروسية حظر سفر وعقوبات أخرى عليها، وهي إجراءات جرى رفعها قبيل تكليفها بمهمتها الدبلوماسية الأخيرة ضمن صفقة تزيل بموجبها واشنطن قيودًا مماثلة على مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الروسية. إن اختيار “نولاند” كمبعوثة لمفاوضات مع حكومة فلاديمير بوتين هو عمل أخرق أو أنه إظهار متعمد للازدراء.

تشير أفعال أمريكية حدثت مؤخرًا بقوة إلى الخيار الأخير. بعد أيام فقط من إنهاء “نولاند” مفاوضاتها غير المثمرة بشكل عام، أرسلت الولايات المتحدة قاذفتين من طراز B1-B فوق البحر الأسود. تعدّ هذه المنطقة تحديدًا حساسة للجيش الروسي لأن قاعدة البلاد البحرية الأساسية تقع في هذا البحر، وقد وسّعت الطائرات والسفن الحربية التابعة للناتو والولايات المتحدة بشكل ملحوظ من حضورها في البحر الأسود في السنوات الأخيرة، لكن إرسال قاذفات نووية كان عملًا استفزازيًّا بوجه خاص. وكما هو متوقع، أرسل الروس على وجه السرعة مقاتلات حربية لاعتراض و”مرافقة” الطائرة الأمريكية. كانت تلك حالة كلاسيكية تحاول فيها واشنطن خلق استفزاز غير مبرر.

لكن الأمر الأكثر استفزازًا كان تصريحات أطلقها وزير الدفاع “ليود أوستين” أثناء زيارة أجراها إلى أوكرانيا في منتصف أكتوبر. حيث أكدّ “أوستين” في مقرّ وزارة الدفاع الأوكرانية إن عضوية “كييف” في حلف الناتو باتت مسألة حاضرة بقوة على الطاولة وأن “ما من بلد ثالث له حق الاعتراض على قرارات الناتو بمنح العضوية. إن لأوكرانيا الحق في تقرير سياساتها الخارجية المستقبلية، ونحن نتوقع أن تكون قادرة على فعل هذا من دون أي تدخل خارجي”. قبل أيام من ذلك، سرّب البنتاغون قصة لصحيفة “واشنطن تايمز” المتشددة، تناولت رحلة “أوستن” المقبلة لأوكرانيا، والتي أصبح خلالها الدعم الأمريكي لمساعي عضوية أوكرانيا في الناتو أكثر وضوحًا.

الأكيد أن تلك لم تكن رسالة جديدة. فواشنطن متمسكة بهذا بالموقف منذ سنوات، مؤكدة أن لأوكرانيا وجورجيا الحق في الانضمام للناتو، في حال التزامهما بمعايير العضوية للحلف. لكن تصريح وزير الدفاع نفسه بهذا الكلام الآن بالرغم من تحذير موسكو بأن انضمام الدولتين سيكون تجاوزًا لـ “خط أحمر” من الناحية الأمنية لروسيا، لم يكن توقيته مفيدًا على الإطلاق. كما أن هذا يعدّ موقفًا متعاليًا للغاية يفترض أن موسكو لا ينبغي لها أن تشتكي بينما يؤسس أقوى تحالف عسكري في التاريخ حضورًا مُهددًا متعاظمًا على حدود روسيا. ردّ مسؤولون روس فورًا على تصريحات أوستين، مُحذرين من أن ضمّ أوكرانيا إلى الناتو سيكون “خطيرًا للغاية” وسيُقابل بإجراءات انتقامية غير محددة.

هناك حوادث أخرى حدثت بالتزامن مع جولة “أوستين” الأوروبية، وتركت علاقات الناتو وروسيا في حالة يُرثى لها. في مطلع هذا الشهر، طرد الناتو ثمانية دبلوماسيين روس من مكتب ارتباطه في مقرّ الناتو في بروكسل بحجة ممارستهم أنشطة تجسسيه. ردّ الكرملين بعد بضعة أيام بتعليق جميع أنشطته المتبقية في مقرّ الناتو في بروكسل، وأمر مكتب الناتو في موسكو بإغلاق أبوابه بحلول الأول من نوفمبر. وفي تصريح مقتضب لمراسلين، صرّح وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف”: “عقب إجراءات بعينها اتخذها الناتو، فإن الشروط الأساسية المطلوبة للعمل المشترك لم تعد موجودة”.

المدهش أن تقارير ذكرت بأن مسؤولين أمريكيين بدوا متفاجئين من سرعة تدهور العلاقات مع روسيا. هم يشعرون بقلق بالغ لأن هذا يعقد رغبة واشنطن المعلنة للتركيز على الصين بوصفها التهديد الأمني الأساسي للولايات المتحدة. لكن كما هو متوقع، فإن مؤسسة الأمن القومي وغرف الصدى التابعة لها في وسائل الإعلام، تحمّل الكرملين المسؤولية كاملة على تصاعد التوترات.

وإن لم تغير إدارة بايدن سياستها قريبًا، فإن العلاقات مع موسكو يمكن أن تصبح أسوأ مما كانت عليه أثناء الحرب الباردة، وقد يضع هذا التطور السلام العالمي في خطر كبير. منذ اتخاذ إدارة بيل كلينتون قرارًا بتوسيع حلف الناتو نحو وسط وشرق أوروبا، اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون خطوة تلو الأخرى لاستعداء روسيا، والنتائج المؤسفة لهذا القرار باتت واضحة، غير أن الأمر المؤسف أنه عوضًا عن عكس مسار سياسات واشنطن الاستفزازية والمتعجرفة، ضاعفت إدارة بايدن العمل في هذه الاستراتيجية الخطيرة، ونتيجة هذا قد تكون مأساوية تمامًا لجميع الأطراف المعنية.    

للاطلاع على الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى