الترجماتالصفحة الرئيسية

ذا دبلومات | حان الوقت لتعيد أستراليا النظر في سياستها إزاء القارة القطبية الجنوبية

رؤية

ترجمة- شهاب ممدوح

يحكم “نظام معاهدة القارة القطبية الجنوبية” شؤون القارة القطبية الجنوبية منذ عام 1961. لكنه يعاني الآن من ثقل المنافسة الاستراتيجية على النفوذ، ومن تهديدات جديدة تواجه الأنظمة البيئية الفريدة للقارة القطبية الجنوبية. وعبر ثغرات في أطر الحوكمة، تستغل الدول المعاهدة لتحقيق مصالح قومية. يناقش هذا المقال كيف تؤثر منافسة النفوذ على القارة القطبية الجنوبية، وكيف يمكن لأستراليا، التي تطالب بـ 42 بالمائة من شرق القارة القطبية الجنوبية، أن تتوخي تحسين حماية هذه المنطقة.

توفّر القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) كنوزًا عظيمة من ناحية مواردها الطبيعية وأرصدتها السمكية وفرص التنقيب البيولوجي وتحليل علوم المناخ والموارد الهيدروكربونية، باحتياطيات محتملة تتراوح بين 300 و500 مليار طن من الغاز الطبيعي في القارة القطبية الجنوبية، ومخزونات محتملة تقدّر بـ 135 مليار طن من النفط في المحيط الجنوبي. تعلن المادة الأولى من معاهدة القارة القطبية الجنوبية، أن استغلال القارة القطبية الجنوبية منحصر في المراقبة والتحقيق العلميين -لأغراض سلمية فقط، لكن المادة الأولى تتعرض لضغط شديد.

وبالرغم من تعليق هذه المعاهدة لمطالبات صادرة من الدول السبع الأصلية (الأرجنتين وأستراليا وتشيلي وفرنسا ونيوزيلاندا والنرويج والمملكة المتحدة)، إلا أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في حينها (بوصفهما طرفين غير مُطالبين، وطرفين أصليين موقعين على المعاهدة) مارسا الحق بموجب المعاهدة للمطالبة بحقهما في القطب الجنوبي وذلك في مرحلة لاحقة. من الناحية العملية، جمّدت المعاهدة مسألة السيادة الإقليمية.

إن العام 2049 سيوافق الذكرى التسعين لتوقيع معاهدة القارة القطبية الجنوبية، وقبل ذلك بعام في سنة 2048 سيتم إجراء مراجعة تاريخية للحظر المفروض على التعدين بموجب “بروتوكول مدريد” الذي يدعم المعاهدة. وبالرغم من أنه لا يزال أمامنا سنوات عديدة قبل هذا التاريخ، إلا أن الوقت قد حان الآن للقوى العظمي كي تعيد تركيز اهتمامها على تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد بوسائل بديلة. ما الذي يمكن أن يتغير في الفترة بين الآن ومراجعة عام 2048؟ بوصفها أطرافًا معنية تمتلك حقوق تصويت فيما يخص الحُكم القاري، فإن الأطراف الاستشارية للمعاهدة ربما تقرر الإبقاء على بروتوكولها البيئي، وتواصل حظر التعدين وعسكرة هذه القارة – أو ربما لا تفعل هذا.

تشدد الورقة البيضاء للسياسة الخارجية لأستراليا للعام 2017، على مسألة التنافس في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو تركيز زادت حدته مع إعلان اتفاق “أوكوس” في سبتمبر الماضي. حذفت الورقة البيضاء أي ذكر للتحديات في القطب الجنوبي. لكن تجاهل الصين لحكم هيئة التحكيم فيما يخص مطالباتها في بحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى منافستها الشديدة على الوصول للموارد وأفعالها العدوانية في منتديات حُكم دولية، تشير إلى أن نهج “ننتظر ثم نرى” إزاء الوضع في القارة القطبية الجنوبية هو أمر عالي الخطورة. إن الأطر القانونية الحالية لا تردع دولًا رئيسية عن التحرك لتأمين مصالحها الاستراتيجية، ولا يمكن لأستراليا أن تتحمل كونها ساذجة إزاء السياق الاستراتيجي الموجودة فيه.

دور الصين في القارة القطبية الجنوبية

منذ تأسيسها عام 1985 أولى محطاتها البحثية في القطب الجنوبي، والمعروفة باسم “السور العظيم”، وسّعت الصين من حضورها على القارة. تقع ثلاث من أصل أربع محطات بحثية صينية داخل الأراضي القطبية الجنوبية التي تطالب أستراليا بها، كما أن هناك محطة بحثية خامسة يجري تشييدها في جزيرة “إنكسبريسبل” (Inexpressible island) في بحر “روس” (Ross Sea). إن ظهور الصين بوصفها قوة قطبية يشمل استثمارات كبيرة ضختها في كاسحات جليد ومدارج طيران قارية لمساعدتها على الوصول للقارة القطبية طول العام.

كما أن النهج الاستراتيجي للحكومة الصينية إزاء القارة القطبية الجنوبية، يقع ضمن سياسة الأمن القومي لهذا البلد. ولا شك أن التوثيق الرسمي الصيني، يُدمج القارة القطبية الجنوبية والمحيط الجنوبي ضمن التصوّر الموسّع للدولة الصينية فيما يخص مجالات نفوذها وهيمنتها، بما يتجاوز المحيطين الهندي والهادئ. لا تعترف الصين بأي مطالبات فيما يخص القارة القطبية الجنوبية، وتطبق استراتيجية تخدم إلى أقصى حد مصالحها الوطنية هناك. وصف الحزب الشيوعي الصيني صراحة المناطق القطبية بأنها “جبهة استراتيجية جديدة” حتى أنه ضمّها إلى أحدث خططه الخمسية. يسعى الحزب الشيوعي، من ناحية، للتأكيد على شرعية الصين الدولية فيما يخص القارة القطبية الجنوبية، ومن ناحية أخرى، يسعى لزيادة الدعم المحلي للأنشطة الصينية في القطب الجنوبي لأقصى حد.

بالتالي، تتبنى الصين “صوتين” يستهدفان جمهورين مختلفين. خارجيًّا، تصوّر الصين نفسها على أنها تلتزم بمؤسسات نظام المعاهدة، وأن اهتمامها الأساسي ينصبّ على العلم. اتهمت بكين منتديات القارة القطبية الجنوبية بأنها “نادٍ للأغنياء” خاضع للولايات المتحدة، زاعمة أن أطرافًا أخرى يجري تصويرها على أنها “مواطنون درجة ثانية”. لكن هذا يتجاهل حقيقة أن الصين لديها حقوق تصويت متساوية باعتبارها طرفًا استشاريًّا، كما أن روسيا عضو منذ أمد طويل في هذا “النادي”. يروّج الحزب الشيوعي لرواية أن الصين جرى حرمانها من مكانها الذي تستحقه في هذا النظام الدولي- وجرى إقصاؤها من حُكم القارة القطبية الجنوبية.

محليًّا، وفي خطاب ألقاه الرئيس الصيني “تشي جين بنغ” في نوفمبر عام 2014 على متن كاسحة الجليد “شو لونغ”، أعلن أن الصين ترغب في “أن تصبح قوى عظمى قطبية”. بعدها شددت الصين على “حقها” في القيادة القطبية في عام 2015 عبر قانونها للأمن القومي، الذي أكّد على مصالح الدولة في “جبهات جديدة” من بينها القارة القطبية الجنوبية والقطب الشمالي، ومناطق أخرى. عبر إدراجها هذه المناطق ضمن سياق أمني، أرست الصين أساسًا قانونيًّا محليًّا لحماية حقوقها المحتملة في المستقبل. استخدم قادة عسكريون صينيون كبار أيضًا وضع “المشاعات العالمية” للقارة القطبية الجنوبية للتأكيد على حق الصين في تحقيق مصالحها في القارة القطبية الجنوبية.

يُستخدم العلم كأداة خطابية لشرعنة توسيع الصين لحضورها على القارة. يرتكز جزء مهم من هذا الزعم الصيني على أهمية أبحاث التغير المناخي، والحاجة إلى تعاون من جميع القوى في هذا المجال. إن المناطق القطبية أساسية لتحقيق هذا الجهد. لكن، في الوقت ذاته، المؤسسات العلمية والأكاديمية الصينية المشاركة في الأبحاث العلمية في القطب الجنوبي خاضعة للحزب الشيوعي الصيني، وهي مندمجة بشكل كامل مع المجمّع المدني – العسكري في الصين.

صرّح الرئيس “تشي” علانية أن علماء الصين ينبغي أن يتحلّوا بـ “التوجّه السياسي الصحيح” وأن يكونوا “مُشبّعين بالمشاعر الوطنية”. إن النفوذ الصيني في منتديات القارة القطبية الجنوبية، يعزز الرواية الصينية الأوسع الداعمة لحقها الطبيعي في تولي القيادة في نظام الحُكم الدولي. وفوق كل هذا، يُبرز جيش الشعب الصيني منذ بعض الوقت احتمال تحوّل مناطق قطبية إلى ساحات لـ “صراع جيوسياسي جديد”.

أوضحت “آن ماري برادي” الباحثة النيوزلندية في شؤون الصين كيف وضعت الصين خرائط لقاع المحيط الجنوبي، خدمة لعمليات شحن بالسفن ولتسهيل حركة الغواصات. ربطت الصين بين المناطق القطبية ومبادرة الحزام والطريق، وذلك عبر بناء “ممر اقتصادي أزرق” لتأمين مصالحها القومية و”تحويل الصين إلى قوة بحرية”. إن القارة القطبية الجنوبية والمحيط الجنوبي هما امتداد لأهداف بكين الاقتصادية البحرية، واندفاعتها للوصول للموارد وتأمين طرق تجارية، كما تسعى بكين لتهيئة الظروف لبناء قدرات “مزدوجة الاستخدام” للسيطرة عمليًّا على المنطقة.

كما أن عدم التزام الصين بشروط تفتيش القارة القطبية الجنوبية، يُضعف الهدف الأصلي للمعاهدة، إذ إن إحجامها عن الالتزام بها يشجّع عمليات العسكرة التي لا يمكن رصدها. وتداعيات هذا على أستراليا قد تكون كبيرة، وذلك في حال تصاعد المنافسة الصينية مع الولايات المتحدة أو أستراليا، أو مع كليهما، وما ينجم عن هذا من تعزيز للحضور العسكري الصيني في القطب الجنوبي.

المنافسة الاستراتيجية في القارة القطبية الجنوبية

لطالما كانت المنافسة على هذه القارة تشمل أطرافًا أخرى. كانت الولايات المتحدة عاملًا مهمًّا في التوسط لمعاهدة القارة القطبية الجنوبية، واستطاعت (إلى جانب الاتحاد السوفيتي) حرمان دول أخرى من السيادة على القارة. تعزز السياسة الأمريكية الالتزام باستخدام القارة القطبية الجنوبية لأهداف سلمية فقط، وممارسة الجهود العلمية هناك بحرية. مع هذا، فإن الولايات المتحدة “لا تعترف بأي مطالبات إقليمية أجنبية”، كما أنها “تحتفظ بحق المشاركة في أي استخدامات مستقبلية للمنطقة”.

تسعى الولايات المتحدة الآن لتعزيز حضورها المادي، بعد صدور مذكرة رئاسية عام 2020 تركز على كاسحات جليد جديدة خاصة بـ “الأمن القطبي”، ولم تلغِ إدارة بايدن هذا التركيز. وفي غضون هذا، فإن الطريقة التي ستساهم بها الولايات المتحدة في حماية بيئة القارة القطبية الجنوبية على المديين القريب والبعيد، ستكون أمرًا مهمًّا.

وبالرغم من العلاقة التاريخية والتحالف الوثيق بين واشنطن وكانبيرا، إلا أن الولايات المتحدة فنّدت باستمرار مزاعم أستراليا الإقليمية في القارة القطبية الجنوبية، واحتفظت بحقها (إلى جانب روسيا) في تقديم مطالبات في المستقبل. لكن، مؤخرًا، اتبعت أفعالًا ربما تعطي من خلالها أولوية للمصالح الجماعية على المصالح الأحادية، داعمةً المعاهدة ومُعيدة التأكيد على التزامها بالحظر المفروض على التنقيب عن موارد معدنية هناك. ومع استمرار حالة التنافس والتعاون مع الصين، على سبيل المثال في قضية التغير المناخي، ربما ترى الولايات المتحدة ميزة في ضمان بقاء المواد الهيدروكربونية والمعادن في القارة القطبية الجنوبية خارج نطاق الاستغلال. إن أستراليا في وضع مناسب يؤهّلها لممارسة جهود تعاونية تعزز موقعها التاريخي في القارة القطبية الجنوبية، وذلك عبر العمل بصورة وثيقة مع الحلفاء والدول الأعضاء في المعاهدة للمحافظة على الهدف السلمي والبحثي – العلمي في هذه القارة، وتأسيس إجراءات التزام صارمة داخل نظام المعاهدة لمعالجة أي ثغرات تجعل القارة القطبية الجنوبية عرضة للاستغلال، وتجعل نظام المعاهدة أكثر هشاشة.    

للاطلاع على الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى