فورين أفيرز | نظام منع الانتشار النووي ينهار!

رؤية

ترجمة – آية سيد

يبدأ النظام العالمي لمنع الانتشار النووي وتعزيز نزع السلاح في التآكل. على الرغم من أن نظام منع الانتشار تماسك لأكثر من نصف قرن، تحصل المزيد من الدول على مواد وتكنولوجيا نووية حساسة من خلال الحيازة غير المشروعة والتجارة التفضيلية. في مايو 2021، على سبيل المثال، أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران جمّعت عشرة كيلوجرامات من اليورانيوم عالي التخصيب وقيّدت بشدة إمكانية الوصول إلى مواقعها النووية. وفي أكتوبر 2021، أعلنت أستراليا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة عن شراكة استراتيجية جديدة (أوكوس) والتي ستجعل أستراليا أول دولة غير نووية تحصل على وقود عالي التخصيب من أجل الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية. من المستبعد أن تحوّل أستراليا هذا اليورانيوم لصنع القنابل، لكنها تمثل سابقة خطيرة.

تجسد هاتان الحالاتان التحديات المتنامية التي يواجهها نظام منع الانتشار النووي. تاريخيًّا، اعتمد إطار العمل الذي وضعته معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية 1970 على نجاح حدود التطوير والمراقبة الدولية لتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم. لكن انتشار هذه المواد والتكنولوجيات النووية الحساسة يُضعف كلتا العمليتين. لقد أصبح من الصعب على نحو متزايد التمييز بين البرامج النووية المصممة لأغراض سلمية وتلك التي تهدف إلى إنتاج قنابل. إن أدوات الوكالة الدولية للطاقة الذرية للكشف عن الأنشطة المثيرة للقلق ومعالجتها دبلوماسيًّا تخاطر بأن تصبح بالية.

من أجل استعادة دور نظام منع الانتشار النووي كحصن للاستقرار العالمي، تحتاج مؤسسات منع الانتشار الدولية والدول لطرق جديدة لتتبع ومعالجة تطوير الأسلحة النووية. هذا يتطلب نهجًا مبتكرًا لمراقبة وتقييد النشاط الخطير. لكن نظرًا لأن المزيد من الدول تحصل على اليورانيوم عالي التخصيب أو تنتجه، فإن القيود على المواد وحدها ليست كافية. سوف يحتاج المراقبون لأدوات حديثة لتتبع المؤشرات الإضافية التي تدل على نشاط قنبلة محتمل، مثل تطوير وتصنيع رؤوس حربية نووية للصواريخ أو غيرها من وسائل الإيصال. إن مراقبة هذا النوع من النشاط، بالتحديد، تتجاوز التركيز التقليدي للمراقبين النوويين، لكنها ربما تقدم الآن الطريقة الأفضل والأكثر موثوقية لمعرفة إذا ما كانت الدول تحاول الحصول على أسلحة نووية.

ونظرًا للارتفاع العالمي في النشاط النووي، ينبغي أن يتحرك العالم سريعًا لإقامة هذا النظام. في عصر يشهد منافسة جيوسياسية متزايدة، يحتاج المجتمع الدولي للمزيد من المعلومات الإرشادية عن انتشار الأسلحة النووية بحيث تتمكن الدبلوماسية من منع الانتشار المزعزع للاستقرار وسباق التسلح.

حماية العالم

تُعدّ معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية حجر الأساس لنظام منع الانتشار النووي. إنها تشترط أن تتجنب الدول غير النووية الحصول على الأسلحة (المادة الثانية)، وتسمح لكل الدول بالحصول على التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية (المادة الرابعة)، وتُلزم الموقّعين من أصحاب الأسلحة النووية – الصين، وفرنسا، وروسيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة – بنزع السلاح في النهاية (المادة السادسة). عمليًّا، هذا النظام يحد امتلاك الدول وتشغيلها للتكنولوجيا المستخدمة في إنتاج المواد الانشطارية اللازمة للأسلحة النووية: اليورانيوم والبلوتونيوم عالي التخصيب. وهي تمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التدقيق بصرامة في الأبحاث النووية وبرامج الطاقة، وفرض الضمانات النووية، ورصد الإنتاج السري. وعلى الرغم من أن صلاحيات الإنفاذ الخاصة بها محدودة، استمرت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية بفضل المزيج المكوّن من مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولوائح التجارة النووية الصارمة للمؤسسات متعددة الأطراف، والتزامات الدول الأعضاء الفردية بالتقيد بالقواعد.

لعبت الولايات المتحدة تاريخيًّا دورًا مهمًّا في قيادة وتعزيز هذا النظام، في الغالب مع الاتحاد السوفيتي ثم لاحقًا مع روسيا. ومن أجل الحفاظ على صفقة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، تعاونت واشنطن مع الكثير من الدول الشريكة عبر برنامج “الذرة من أجل السلام”، لمشاركة التكنولوجيا والمواد لتعزيز الطاقة والأبحاث النووية في الدول التي تخلت عن الأسلحة الذرية. أدارت الوكالات الأمريكية أيضًا برامج لتقييد انتشار اليورانيوم المخصب وتكنولوجيا الإنتاج النووي، وتعزيز الشفافية في المواد النووية المدنية، وتحويل مفاعلات الأبحاث من الوقود عالي التخصيب إلى الوقود منخفض التخصيب. عن طريق فعل هذا، أبطأت واشنطن تجميع التكنولوجيا الانشطارية والحساسة. دعمت الدول النووية الأخرى أو على الأقل انضمت إلى هذه الجهود، عبر تقييد تدفق المواد والتكنولوجيات المهمة.

لكن النظام ليس مثاليًّا. توجد أوجه تعارض متأصلة في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والتي تسمح لبعض الدول بامتلاك الأسلحة بينما تمنع الدول الأخرى من الحصول عليها. لقد شهد العالم أزمات انتشار دورية والتي كشفت فجوات متسعة في هذا النظام، مثلما حدث في 1991، عندما اكتشف المراقبون أن العراق امتلك برنامجًا سريًّا لإنتاج الأسلحة النووية. وفي بعض الأحيان، فشلت المعاهدة في منع تطوير الأسلحة بالكامل، كما حدث في كوريا الشمالية، التي انسحبت من المعاهدة عندما كُشف برنامجها. وتوجد ثلاث دول نووية – وهي الهند وإسرائيل وباكستان – لم تنضم أبدًا لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

لكن بشكل ملحوظ، تماسكت هذه المعاهدة بشكل عام لعقود. معظم الدول التي امتلكت تطلعات نووية من قبل تخلت عنها، مثل كوريا الجنوبية والسويد وسويسرا. نزعت جنوب أفريقيا السلاح طواعية، حيث فككت ست قنابل نووية كانت قد صنعتها سرًا، وانضمت إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية كدولة غير نووية. تجنب العالم مخاطر وشيكة الحدوث، مثل تلك الناتجة عن انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى وجود أربع دول نووية بدلًا من واحدة، والأخرى في إيران، والتي جرى منعها في 2003. اليوم، ست دول فقط دون أسلحة نووية تمتلك القدرة المحلية على إنتاج المواد الانشطارية – وهي الأرجنتين، والبرازيل، وألمانيا، وإيران، واليابان وهولندا – وهي شهادة على كفاءة النظام. لكن توجد عدة علامات على أن هذا الرقم القياسي ربما لن يستمر.

التدهور الخطير

تنبع بعض المشاكل الأخيرة في نظام منع الانتشار من التقدم المتعثر باتجاه نزع السلاح النووي للدول ذات الأسلحة النووية. بعد أن خفضت روسيا والولايات المتحدة ترساناتيهما النووية للحرب الباردة عن طريق سحب الأنظمة القديمة، وصل الحد من الأسلحة إلى طريق مسدود في كلا البلدين في العقد الأخير. الآن، تقومان بتحديث ترساناتيهما، مثلما تفعل الصين، والهند، وباكستان، وبريطانيا. هذا دفع الكثير من الدول غير النووية إلى المضي قدمًا في اتفاقية حظر الأسلحة النووية التكميلية لكن المنافِسة بشكل عملي. تأتي المشاكل الأخرى من سلوك الدول النووية خارج النظام، والأكثر إثارة للمشاكل هي كوريا الشمالية. لكن المشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن الحاجز بين النشاط النووي السلمي وتطوير الأسلحة يتآكل.

إن معظم هذا التآكل الضار يحدث على يد الدول ذات الأسلحة نفسها، عبر ترتيبات خاصة لتعزيز المصالح الاستراتيجية الأخرى. بشكل ملحوظ، مكّن الاتفاق النووي الأمريكي – الهندي لعام 2005، الذي اعتمدته مجموعة الموردين النوويين في 2008، الولايات المتحدة والآخرين من تبادل التكنولوجيا مع الهند، إلى جانب استثناءات سمحت بالنشاط النووي الهندي غير الخاضع للضمانات بهدف تطوير الأسلحة. ثم أكد مؤتمر مراجعة معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في 2010 أن الدول التي تسعى إلى الطاقة النووية لديها حق غير مشروط في الوصول بالكامل إلى التكنولوجيا النووية، بغض النظر عن الضرورة.

وضع اتفاق إيران النووي 2015 سقفًا لبرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني لكنه عكس مسار تفاهم سابق (في خطة العمل المشتركة التمهيدية 2013) بأن أنشطة التخصيب الإيرانية ستكون محدودة على ما تحتاجه طهران لبرنامجها السلمي. منذ ذلك الحين قوّضت الولايات المتحدة وإيران الاتفاق، تاركين إيران تخصب اليورانيوم بتركيزات “تصل إليها الدول التي تصنع القنابل فقط”، بحسب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بشكل جماعي، هذا التآكل في قواعد معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية جعل من الأسهل على الدول غير النووية الحصول على المواد الانشطارية، حيث يطمس التمييز الأساسي بين البرامج النووية السلمية والبرامج العسكرية. تستطيع الآن الدول التي تتطلع إلى الحصول على أسلحة إخفاء طموحاتها – وتقدمها – بسهولة على مرأى من الجميع.

المعايير والعلامات

لوقف الانتشار وإعادة تأسيس مسار لدحر الأسلحة النووية، سوف تحتاج الدول ومؤسسات منع الانتشار لاتخاذ خطوات متعددة. يمكنها البدء بتعزيز معايير أفضل لحيازة اليورانيوم المخصب. ينبغي أن تلتزم الدول المسئولة بتجنب شراء أو تخصيب المواد النووية غير اللازمة للأغراض السلمية. يتعين على الدول التي تصر على ممارسة “حقها الثابت” في امتلاك المواد والتكنولوجيات النووية الحساسة لأغراض سلمية أن تؤكد حُسن نواياها عن طريق القيام بإجراءات شفافية وتحقق إضافية، مثل تطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ينبغي أيضًا أن تنضم إلى كل المعاهدات النووية وتطبق أفضل الممارسات في مجالات السلامة والأمن والمسئولية وحماية البيئة النووية. من أجل تطبيق هذه الممارسات، يستطيع المجتمع الدولي استخدام الحوافز الإيجابية والسلبية للحث على الامتثال. ومع مرور الوقت، تستطيع الدول تنظيم هذا السلوك في اتفاقيات التعاون الثنائي وفي نتائج الاجتماعات متعددة الأطراف، مثل البيانات الختامية لمجموعة العشرين، أو بيانات مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار، أو قرارات مجلس الأمن.                   

سوف ترغب بعض الدول في التهرب من المعايير المتزايدة، ووكالات الاستخبارات الوطنية والمؤسسات الدولية تحتاج إلى طرق أفضل لتقييم الغرض من البرامج النووية، خاصة الآن وأن امتلاك المواد الانشطارية لم يعد مؤشرًا كافيًا على النية لامتلاك أسلحة. لحسن الحظ، توجد مقاييس بديلة واعدة. بالنسبة إلى الدول التي تحصل على مواد انشطارية، فإن الحاجز التقني الرئيسي المتبقي للحصول على أسلحة نووية هو صناعة رأس حربي فعال. هذا يعني أنه يجب على مؤسسات منع الانتشار أن تزيد من تتبعها للتسليح وتطوير وسائل الإيصال.

إن الرؤوس الحربية ليست العنصر الوحيد الذي تحتاجه الدول لتحويل المواد الانشطارية إلى أسلحة نووية. يجب أيضًا أن تصنع أو تحصل على صواريخ متقدمة، وتستطيع المؤسسات متعددة الجنسيات التركيز على تحديد الدول التي تبدو وأنها تسعى إلى الحصول على صواريخ ذات قدرة نووية. إن نظام الرصد الفعال سيثبت أهميته، نظرًا لأن عددًا من الدول، التي تتراوح من السعودية إلى كوريا الجنوبية، تصنع أو تحصل على الوسائل اللازمة لإنتاج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز القادرة على توصيل قنابل نووية. غازلت الكثير من نفس هذه الدول فكرة تطوير أسلحة نووية.

توجد مؤشرات إضافية يستطيع مراقبو منع الانتشار استخدامها للتمييز بين البرامج النووية السلمية والبرامج العسكرية. تحتاج الترسانة النووية الناجحة إعدادًا يتجاوز الرؤوس الحربية والصواريخ، والذي يشمل نظام تحكم ٍومراقبة محكمًا؛ وفحصًا دقيقًا للأفراد؛ وإجراءات سلامة نووية وقدرات للرد على الطوارئ؛ وإجراءات أمنية استثنائية؛ وأفرادًا مدربين؛ ومنشآت مخصصة والتي يمكنها تخزين الأسلحة، والحفاظ عليها وإطلاقها. كل هذه الأنشطة تترك آثارًا، وبينما يقيّم المراقبون الدوليون البرامج النووية، ينبغي أن يسعوا إلى تقييم إذا ما كانت الحكومات تعزز العديد من هذه القدرات.

التعزيز الإيجابي

إن جعل نظام منع الانتشار المعزز هذا يعمل لن يكون بالأمر السهل. سوف تحتاج أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة أولًا إلى تبني إجراءات مراقبة نووية محددة جديدة والتي تتجاوز أوكوس. سوف يحتاجون بعدها لضمان تعاون الصين وروسيا والدول الأخرى التي تمتلك أسلحة نووية للتأكد من أنها ستتبنى نفس الممارسات الصارمة وتدعم الجهود الدولية لإضفاء الطابع المؤسسي عليها. وسيكون من الصعب جعل الدول غير النووية توافق على توقعات الشفافية الجديدة ناهيك عن تمكين أي هيئة دولية من جمع المزيد من المعلومات عن البرامج التي قد تهدف لإنتاج أسلحة.

لكن هذا لا يجعل الأمر مستحيلًا. ربما تجد الدول المزيد من المراقبة أمرًا مقبولًا إذا كان مدمجًا في نهج الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مستوى الدول ويُستخدم لإحاطة العمل الروتيني للوكالة المحيط بالضمانات، مع طلب الاستفسارات الإضافية على حسب كل حالة على حدة. يمكن أن تُحفظ هذه الإجرءات في مجلس المحافظين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمؤتمر السنوي لمراجعة معاهدة منع الانتشار النووي، ومجموعة العشرين، وفي قرارات مجلس الأمن. ومن أجل الحصول على موافقة الدول غير النووية التي قد تخضع لمستويات جديدة من التدقيق، يمكن أن تضمن القوى النووية الرائدة أنها لن تضغط من أجل أية صكوك قانونية أو مؤسسات دولية جديدة؛ وأن النظام سيعمل بالكامل من خلال أطر العمل القائمة. سيتعين عليها أيضًا توضيح أن الدول التي لا تمتلك أسلحة لن تخضع لأية توقعات جديدة، طالما لم تكثف تخصيب اليورانيوم. وبالنسبة إلى الدول التي تختار استخدام اليورانيوم المخصب، ستكون توقعات المزيد من التحمل والشفافية مربوطة بنطاق وحجم أنشطة الانتشار.

وأخيرًا، تستطيع القوى النووية الرائدة تقديم حوافز جديدة للالتزام بإطار العمل المعزز عبر توسيع سياسات التصدير وبرامج المساعدات للدول التي تسعى إلى الحصول على التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية. إن تحرير صادرات المواد النووية ربما يبدو وأنه يتعارض مع أهداف عدم الانتشار، لكنه قد يخدم كحافز قوي للامتثال لعدم الانتشار وتعزز أيضًا الاستجابة الدولية لتغير المناخ. لقد جرى تحديد الطاقة النووية كعنصر مهم في التحول إلى الطاقة المتجددة، لكنها تقدم عقبات مالية وتكنولوجية صعبة لكثير من الدول.

وقبل أن يتآكل النظام النووي أكثر، يجب أن تبذل الدول جهدًا عاجلًا لتنشيط معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. هذا العمل ضروري من أجل منع الانتشار المستقبلي ودحره ومن أجل نزع السلاح في نهاية المطاف – بعبارة أخرى، من أجل عالم لا تساهم فيه التكنولوجيا النووية في الاضطراب الجيوسياسي.

لقراءة النص الأصلي.. اضغط هنا

ربما يعجبك أيضا