التقاريرمنوعات

أطفال كابول.. بين ساحة الحرب ومكب النفايات

كتبت – أسماء حمدي

من ساحة الحرب التي لا ترحم إلى مكب النفايات، يتنقل الأطفال في شوارع كابول بين صناديق القمامة بحثًا عن “كنز”، ويتحملون أعباء الحياة الثقيلة أملًا في دفع العجلة المعيشية لعائلاتهم، في الوقت الذي يقصد فيه أقرانهم المدارس.

لا يتوانى الأطفال عن المخاطرة بحياتهم، يستيقظون في وقت مُبكر من الصباح تكون فيه المدينة مظلمة، يجتمعون في مكانهم المعتاد “مكب النفايات”، كل طفل يحمل كيسًا فارغًا ينتفخ بحلول الظلام، ورغم البرد القارس فهؤلاء الأطفال يرتدون سترات رقيقة ومتسخة، ومعظمهم لا يرتدون أي قفازات أو جوارب.

وبوصول آخر طفل، تنطلق فرقة من عشرات الزبالين بحثًا عن كنوز، يسيرون بسرعة ويبحثون في الصناديق والبراميل، ثم يضعون علب الصودا والزجاجات البلاستيكية في أكياسهم، ثم يتفرقون بين الأزقة الجليدية، ويصدرون صافرات ويصرخون للبقاء على اتصال.

وتقول صحيفة “واشنطن بوست”، إن أكبر الأطفال وأقدمهم يدعى منصور ويبلغ من العمر 14 عامًا، وبحدة وصرامة، يُبقي عينيه على الآخرين، حاملا هاتفا محمولا قديما للاتصال بالمنزل في حالة الطوارئ، ويقول:”عائلاتنا ليسوا سعداء بإرسالنا إلى هنا، لكن لا توجد وظائف ولا نقود، يقولون إنه عمل مُشرف ليس مثل التسول أو السرقة، فحتى لو حصلنا على 10 أفغاني (7 سنت) مما نبيعه، فهذا أفضل من القيام بعمل خاطئ”.

وعلى الرغم من أن العاصمة الأفغانية كابول، البالغ عدد سكانها 6 ملايين نسمة، تكتظ بالشقق الحديثة ومراكز التسوق، لكنها تضم نسبة كبيرة من الفقراء، وهناك القليل من الوظائف الثابتة للبالغين دون مهارات، وحتى العمل الشاق نادر، ولا يوجد نظام رعاية اجتماعية للفقراء، ولا يتوافر سوى دعم ضئيل لضحايا الحرب المعاقين والأرامل، بحسب “الصحيفة”.

تأتي كل التبرعات الخيرية من المنظمات الدولية، ويذهب معظمها إلى اللاجئين العائدين من باكستان وإيران أو إلى العائلات القروية النازحة بسبب القتال أو الجفاف، وهذا الشتاء قدم “برنامج الغذاء العالمي” الطعام والأموال إلى ما يصل إلى 70 ألف محتاج في كابل، العديد من هؤلاء من العائلات النازحة في مستوطنات الخيام الذين سجلوا لتلقي المساعدات.

يقول مدير برنامج الغذاء العالمي في كابول، زلاتان ميليسيك: “نفعل ما في وسعنا، لكننا لا نوقف المشكلة، فنقدم مساعدات إنسانية للنازحين والدعم الموسمي للفقراء في المناطق الحضرية، ولكن هناك الكثير من الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى المساعدة”.

في عام 2018، ساعد برنامج الأغذية العالمي أكثر من 5 ملايين أفغاني، لكن هناك 13 مليون شخص يفتقرون إلى الغذاء، وتساءل ميليسيك “أين يمكن أن نبدأ؟”.

وتعيش هذه العائلات على هامش الحياة في المدينة، فبعضهم متسولون، وبينهم رجال مسنون بعكازات ونساء ببرقع يجتمعون خارج المساجد والأسواق، وبعضهم من الأولاد أصحاب الوجوه الذابلة الذين يمسحون نوافذ السيارة ويأملون في الحصول على بعض النقود في المقابل.

نابشو القمامة

أمثال منصور كثيرون في أفغانستان فبدل أن يبني هؤلاء الأطفال مستقبلهم في المدارس دفعتهم الظروف إلى مكبات النفايات، فتجوب فرق من الإخوة وأبناء العمومة والجيران، الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و14 عامًا، الشوارع الخلفية مثل الجيوش الصغيرة، وكل مجموعة لها قطاع غير رسمي خاص بها، تبحث فيه عن أشياء قيمة في أخرى تخلص منها آخرون، وتحصل على قدر معين من الفخر بوضع يدها على ما عزف آخرون عنه.

يتجنب هؤلاء رجال شرطة المرور حاملين في أيديهم حجارة لدرء الكلاب المؤذية، وعادة ما يُخزن بعض أصحاب المتاجر وحراس الأمن بعض الأشياء لهم، وكثيرًا ما يمزح الأولاد ويلعبون خلال سيرهم، لكن هناك تذكير دائم بالحرب والخطر؛ فهناك قافلة من قوات الأمن تمر من وقت لآخر، وعادة ما يوجد جسم معدني غريب في صندوق قمامة يشبه لغما غير منفجر.

قبل عامين، كان منصور يجمع القمامة وسط المدينة، عندما انفجرت شاحنة مفخخة في مكان قريب، ما أسفر عن مقتل 80 شخصًا وإصابة أكثر من 400 آخرين، وسمعت والدته الانفجار وكانت قلقة، وقال منصور: “لم يكن لدي هاتف آنذاك، وجاءت في وسط المدينة لتبحث عني”.

تبعت الحرب هؤلاء الأولاد منذ ولادتهم، ونشأ بعضهم في باكستان، حيث فرت عائلاتهم من الحرب الأهلية وقمع حركة “طالبان”، وتم طرد البعض من القرى الأفغانية بسبب النزاع، ووصلت أسرهم إلى كابول دون عمل أو أقارب أو مصادر للمساعدة.

في الأغلب، تعتمد العائلات على بعضها البعض، يتقاسمون منازل صغيرة، وقليل من آبائهم لديهم وظائف رسمية، ورغم ذلك يخرج بعضهم بحقائب الأدوات وينتظرون أعمال البناء الصغيرة التي تجلب 4 دولارات في اليوم، ولكن في الطقس البارد، حتى فرصة حمل الطوب تكون نادرة، وغالبًا ما يكون دخل اليوم الوحيد هو ما يبيعه الأولاد من الخردة.

قبل 4 سنوات، هاجرت أسرة منصور من ولاية لغمان بعد أن تم القضاء عليها من قبل حركة “طالبان”، والآن يستأجرون منزلا آيل للسقوط مع عائلتين أخريين مقابل 100 دولار في الشهر، ويدرس منصور في مدرسة عامة ويقول إنه يريد أن يصبح طبيبًا في يوم من الأيام، لكن الأولوية لعائلته.

“من الصعب إرسال طفل إلى الشوارع، لكننا نعتمد على منصور”، قال والده البالغ من العمر 40 عامًا، وأضاف: “حياتنا مرت بأوقات صعبة، ونريد لأطفالنا أن يعيشوا حياة طبيعية، إذ حل السلام، والآن نقول له لا تسرق، ولا تتقاتل، فقط ابحث على شيء هناك وعد إلى المنزل في وقت مُبكر”.

مرة واحدة في الأسبوع، يتوقف منصور وعدد من الأولاد الآخرين في ساحة للخردة، حيث يقومون بتفريغ الأكياس الخاصة بهم ويزن المالك محتوياتها، وبناء على المواد، فإنهم يحصلون على ما بين 20 و50 سنتًا للرطل الواحد، ويراقب منصور الميزان بعناية، مؤكدًا: “في بعض الأحيان يحاولون خداعنا”.

وتنتشر ظاهرة عمالة الأطفال في أفغانستان، حيث يعمل ربع الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 14 عامًا لكسب لقمة العيش، وتعرض 29 % من الأطفال العاملين لإصابات جسدية نتيجة أعمال لا تقوى عليها أجسادهم الغضة، بحسب إحصائية أفغانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى